وقائع حيًة من أرض المعركة

في ذكرى “كرري”: مؤرخ أميركي يرسم لوحة الملحمة بشهادات مراسلي صحف عالمية

مشهد يوضح بسالة
  • 02 سبتمبر 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد المصطفى موسى

معركة كرري التاريخية الحاسمة بتاريخ ٢ سبتمبر ١٨٩٨ أو ” The Battle of Omdurman” كما درجت أدبيات المؤرخين الغربيين على تسميتها.. ظلت تلك المعركة الفاصلة وأحداثها الجسام محوراً لحركات بحثية متفرقة من خلال جهود أكاديمية معاصرة لمؤرخين من النصف الشمالي للكرة الأرضية.. حركتهم النزعة الأكاديمية المحايدة، لإعادة استقراء ما حدث بالضبط على ميدان المعركة.. على الرغم من مرور أكثر من ١١٨ عاماً على انقضائها، فقد أدت هذه المجهودات البحثية لكشف النقاب عن شهادات مراسلين حربيين أجانب، لم تحظ في وقتها بالاهتمام اللائق بها بينما أُسقط بعضها لأسباب مجهولة.

المدهش حقاً أن معركة كرري تُعد من أكثر معارك القرن التاسع عشر أهمية، من حيث التغطية الإعلامية بالمراسلين الحربيين ابتداءً من ونستون تشرتشيل “المراسل الحربي آنذاك و رئيس وزراء بريطانيا لاحقاً ” ومروراً بالمراسل الحربي البريطاني الأشهر آنذاك “G.W.Steveens “.. وانتهاءً بمراسلي ” Le Temps ” الباريسية الشهيرة.. وقد فسر المؤرخ البريطاني المعاصر والصحافي المعروف   فيرغس نيكول” صاحب كتاب “مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون “.

فُسر ذلك الوجود الإعلامي المكثف بأنه “جاء مترجماً للشعور القومي البريطاني الجارف بضرورة الانتقام لكبرياء بريطانيا، الذي أصابته الثورة المهدية في مقتل عندما لقي خيرة جنرالاتها حتفهم بأسلحة الثورة المهدية ففقدت بريطانيا وليام هكس وستيوارت وتشارلز غوردون .

وفي سبيل ذلك لم تتوان بريطانيا عن جرجرة مصر الخديوية معها في مواجهة المهدية بالتلويح في وجهها بجزرة إعطائها شيئاً من أراضي السودان الذي ملكته في يوم من الأيام فعجلت الثورة المهدية بإقصائها من ترابه”، ولعل مما يعزز كلام نيكول تلك الاغنية الشعبية الرائجة في بريطانيا آنذاك والتي تتحسر على مقتل بطل بريطانيا القومي الجنرال غردون.. علي يد قوات الثورة المهدية.. بكلماتها المكلومة:

Too late, too late to save him

He was England ‘s pride when lived

He was England’s pride when he died

وقد راجت تلك الاغنية الشعبية رداً على جلادستون رئيس الوزراء البريطاني   إبان حصار الخرطوم في ١٨٨٥ والذي عارض في البدء فكرة إرسال جيش لإنقاذ غردون قائلاً: ” لا يمكنني أن أحارب شعباً يبحث عن حريته” و إن تراجع أخيراً تحت ضغط الرأي العام البريطاني المحموم آنذاك !

كان ونستون تشرتشل ضابطاً ومراسلا حربياً ميدانياً لعدد من الصحف الانجليزية في معركة كرري.. وقد خط بقلمه لاحقاً عدداً من المشاهد الحربية بتلك المعركة، فضمن جزءً كبيراً منها في سفره الشهير بحرب النهر او “River War “.. فإلى نص شهادته التي دون فيها ما رأى من مشاهد أمام عينيه.. حينما اصطف الجيشان وجهاً لوجه.. حيث قال :

” كنت أستطيع ان أرى  وأميز عدداً من المشاهد  المقترنة بكل أمير من أمراء المهدية المشاهير. ففي أقصى اليسار اصطف (رؤساء المئات )  ومعهم بقية جنود الراية الخضراء الباهية اللون تحت قيادة الخليفة علي ود حلو  وبجانبهم فقد رأيت  الراية الخضراء الداكنة  اللون بقيادة عثمان شيخ الدين  والتي شمخت فوق عدد كثيف من المقاتلين من حملة الرماح وأمام هؤلاء اصطف صف طويل من المقاتلين أعتقد انهم كانوا من حملة البنادق. أما في الوسط فقد تمركز الأمير يعقوب برجاله وقد رفرفت فوقهم الراية الزرقاء – راية الخليفة عبدالله – عالية لا تخطئها عين الناظر. وفي أقصى الميمنة اصطفت مربعات عسكرية من مقاتلي الانصار بإعداد كبيرة رفرفت فوقهم رايات بيض  في اصطفاف غاية  في الترتيب والتنظيم.. بينما كمن خلف هؤلاء رجال  راية الخليفة شريف  بلونها الأحمر .. والتي كنت أراها بالكاد من موقعي ذاك .

لقد  قام الأعداء بحشد كل كبريائهم  ومقدراتهم البشرية دفاعاً عن أرضهم  ولإبقاء إمبراطوريتهم.  فهؤلاء هم حملة البنادق الذين حطموا هكس وهزموه..  و حملة الرماح الذين تحّدونا  في ( أبوطليح ) .. والأمراء الذين انتصروا وعادوا بالغنائم من ( قندر) الحبشية.. و قبائل البقارة .. ومقاتلي جيشهم  الذين حاصروا الخرطوم وانتصروا .. كل هؤلاء تقدموا نحونا .. وقد ألهمتهم  ذكريات انتصاراتهم السابقة على قواتنا .. تماماً كما كان  يدفعهم سخط نحونا عندما بلغت مسامعهم انتصاراتنا الأخيرة عليهم بقيادة كتشنر .. اندفع كل هؤلاء بحماس لقتال الغزاة الذين اعتدوا على أرضهم بصفاقة “.. ثم يمضي تشرتشيل ليصف  روعة التنظيم العسكري لتحركات الجيش السوداني قبل الالتحام معهم قائلاً:  ”  ثم واصلوا في خطاهم الأمامية نحونا فقامت ميسرة جيشهم بإعادة الاصطفاف  في سهل المعركة، فيما بدا لنا  وكأنه مقدمة للهجوم علي ميمنة جيشنا . اما قلب جيشهم فقد اتجه بصورة مفاجئة الي جبل سرغام .. بينما اتجهت ميمنة جيشهم للتمركز  جنوب ذلك الجبل تماماً  . لقد كانت منظر تلك الكتلة البشرية (ميمنة الجيش)  ذات التنظيم المثالي والتي يقل عددها عن الـ ٦ الآلاف قليلا ..  الأكثر ادهاشا بالنسبة لي  حيث أن عدد  راياتهم كان يقارب ال ٥٠٠  راية وقد زُخرفت بآيات من القرآن . لقد أعطت دقة انتظامهم واصطفافهم المستقيم .. مشهدا بديعاً متفرداً للناظر.. وهو ما جعل هذا الجزء من جيش الخليفة يشابه  لوحة   Bayeux Tapestry   الشهيرة والتي كانت تصف الجيش النورماندي الغازي لبريطانيا ” .

أما عن خطة الخليفة العسكرية للمعركة فعلى الرغم من الخلل الكبير الذي تحدث عنه  عدد من المؤرخين فيما يختص بتوقيتها النهاري إلا أن ونستون تشرتشيل وصف  تلك الخطة بانها كانت :  ” خطة عبقرية بالغة التعقيد ”  ..

( The Khalifa’s plan to attack appears to have been complex and ingenious ).

ثم يستطرد تشرتشل في تقييمه للخطة من ناحية عسكرية  قائلاً : ” بإستثناء عدم تقديره الجيد لفعالية نيران أسلحتنا الحديثة ، فأن المرء منا ليس بوسعه  انتقاد شئ آخر  من  إستراتيجية الخليفة  العسكرية  للمعركة ”

اما عن بلاء  الجيش الوطني السوداني عند الالتحام المباشر مع قوات الغزو البريطاني في معركة كرري فقد كان  تشرتشل ميالاً   لتدوين انطباعاته  المجردة من أي انحياز وذلك حينما قال  :  ” انهم اشجع رجال مشوا على وجه الارض”  ..

( Yet these were as brave men as ever walked on earth )

وقال أيضاً ” لم نهزمهم ولكن حطمناهم بقوة الآلة ” !

وفي سياق مشابه يمكن اعتبار المؤرخ الأميركي جي إيه روجرز J.A.ROGERS من  أكثر المؤرخين  المعاصرين  تعرضاً لإفادات المراسلين الحربيين المدونة  من خلال كتابه القيم   ” أعظم رجال العالم من ذوي البشرة الملونة”  ..و قد نقل فيما نقل من إفادات بهذا الخصوص .. كلمات جي  دبليو ستيفنس .. أشهر المراسلين الحربيين البريطانيين وأكثرهم شهرة أنذاك بخبراته الثرة في حروب المستعمرات البريطانية . وفيما يلي نترك له المجال ليصف ما وقعت عليه عيناه بأرض المعركة بحسب كلماته :

“لقد كانت  أشرس معركة في في أشرس يوم ..  تقدمت الراية الزرقاء .. راية الخليفة عبدالله  في مقدمة الجيش المهدوي  برجالها الأشداء .. المخلصين حتى الموت ..  وكان هناك خياران أمامهم .. النصر أو الجنة  !

”  It was victory or paradise”

ثم إستطرد  قائلاً : “لا أعتقد أن هناك جيوشاً بيضاء قد واجهت الموت من قبل كما واجهه هؤلاء. ولكن هؤلاء الرجال أصحاب البشرة السمراء..  تقدموا نحو حتفهم  بثبات.  قصفتهم مدفعيتنا  قصفاً شديداً ولكنك رغم ذلك  كنت ترى صفوفهم  المتراصة تتقدم نحونا.. وعندما كانوا في مرمى مدافع المكسيم .. كلما تساقطت جثث قتلاهم .. كانوا يجّمعون  صفوفهم ويتقدمون للأمام  بشجاعة فائقة .. لقد كان هذا اليوم آخر أيام المهدية ولكنه كان  بحق – أعظمها على الإطلاق ..   لم يتراجع العدو قط .. لم تكن كرري معركة .. بل كانت حادثة  إعدام ابطال !

إن جاز لي أن  أقول أن قواتنا قد بلغت الكمال .. فلابد لي ان أعترف بأن المهدويين  بروعتهم.. قد فاقوا حد الكمال !   لقد كان جيشهم في كرري من أعظم وأشجع الجيوش التي حاربناها طوال مواجهاتنا الطويلة في حروب المستعمرات..  وكان دفاعهم مستميتاً عن امبراطورية شاسعة ومترامية  الأطراف.  أفلحوا في الحفاظ عليها  لوقت طويل وبكفاءة عالية . لقد تصدى   لنا حملة البنادق منهم ببنادقهم المهترئة وذخيرتهم المحلية التصنيع  واستماتوا، هم وفرسانهم حول الراية الخضراء والراية الزرقاء ببسالة عجيبة.. أما حملة الرماح فقد تحدوا الموت في كل لحظة بلا يأس  أو خنوع حتى أفناهم الموت عن آخرهم  ولم  يتبق من  ورائهم إلا ثلاثة جياد ! حتى من جرُح منهم بقي في مكانه يصلي للرب أن يقتل أحد منا قبل أن يموت! ” .. يواصل ستيفنس تأكيد ما سبق حين يذكر واقعة نالت إعجابه كثيراً..

“وكمثال لهذه الشجاعة الأسطورية فقد شاهدت بنفسي طفلاً  من أطفالهم كان في العاشرة من عمره تقريبا .. رأيته يقف باكياً عند جثة أبيه القتيل في ميدان المعركة.. فلما اقتربنا منه تناول  بندقية ملقاة على الارض وأطلق النار نحونا .. لقد عمل الطفل الشجاع كل ما  كان بوسعه عمله !  ” ..

أما مراسل صحيفة Le Temps الفرنسية.. فقد أورد الأمريكي جي اي روجرز شهادته من خلال كلمات قصار.. موجزات.. معبرات:

” إن المرء منا لا يملك إلا ان يحييّ بسالة هؤلاء الجنود المهدويين.. لأنهم بلاشك لا يقلون عن نظرائهم الذين كانوا تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي بسالةً واقداماً ولاشك أن ريتشارد قلب الأسد لم يكن أشجع رجاله يفوق مستوى هؤلاء الرجال وخصوصاً عند الالتحام يداً بيد ..  لقد كان مسرح المعركة تراجيديا معقدة الفصول.. لن تغيب بمشاهدها عن ضمير اي شاعر او مؤرخ “..

ويقرن روجرز تلك الشهادات مع توثيق متفرد لتلك الروح الانتقامية العمياء التي تميزت بها قيادة كتشنر الميدانية لمعركة كرري ويذكر كيف انه أمر بإعدام ٢٠ الف جريح ببربرية تتناهى مع كل قيم الإنسانية مما عرضه لانتقادات جارفة في البرلمان البريطاني من خلال حملة تزعمها اللورد ريتشارد ريدموند  والذي لقب كتشنر بـ  “جزار أمدرمان ” . فظائع كهذه.. وجد تشرتشل نفسه مضطراً لسردها بلا مواربة حين وصف المقتلة الوحشية التي تعرض لها الجرحى من الأنصار بسلاح الجيش البريطاني الغازي.. فقال فيما يلي ذلك:

” لقد تلطخ انتصارنا على المهدويين في أم درمان بعار المذابح اللاإنسانية التي ارتكبناها بحق الجرحى.. وأنا أعتقد أن كتشنر هو المسئول عن كل ما جرى “.

ولعل من سخرية الأقدار أن كتشنر نفسه لقي حتفه بعد كرري بـ ١٧ عاماً بصورة مأساوية   في العام ١٩١٦ حينما غرقت الباخرة التي كانت تقله قبالة شواطئ روسيا الشمالية فلم يُعثر له على جسد حتى الآن .. رغم جهود سلاح البحرية الملكي البريطاني والتي امتدت لما قارب العام بحثاً  عن حطام السفينة الغارقة !

ويطوف بِنَا المؤرخ الامريكي J.A.Rogers  في مشاهد النهايات التي أقبلت على الثورة المهدية وما أعقبها من دولة .. فيقول :

“لقد أبقى الخليفة عبدالله على جذوة المقاومة مشتعلة الى حين سقوطه في أرض معركة أم دبيكرات ..بينما ظل العنيد عثمان دقنة مقاوماً متصلباً  حتى وقع في الأسر” .. ومع إسدال الستار على مشاهد المهدية الأخيرة بصفحات كتابه الذي وثق فيه لأعظم رجال العالم من أصحاب البشرة الملونة.. يسدل روجرز ستاراً آخر على مسرح القصة بأكملها حين يورد كحال أي مؤرخ موضوعي رأيه الشخصي بعد استعراض كافة المصادر بتفاصيلها المختلفة .. وفي ذلك يقول:

“ستظل المهدية أعظم مثال.. للبطولة والتفاني..  يمكن أن   يوفره لنا التاريخ الإنساني    ”

“The Mahdist are as fine an example of heroism and devotion as history provides”

رحم الله رجال كرري.. وكفى بالمثل الشعبي مخلداً لهم في الذاكرة الوطنية الجماعية للشعب السوداني..   “الرجال.. ماتوا في كرري!  ” وباستشهادهم خرجت صحف بريطانيا الرئيسية.. التايمز.. والدايلي تليغراف..  بعنوان احتفالي موحد بتاريخ سبتمبر ١٨٩٨ ” Gordon Avenged” وترجمتها ” ثأرنا لغردون “..  وهو ذات الثأر الذي أضطر تشرتشل لاحقاً للإقرار بكلفته الأخلاقية العالية التي تكبدتها بريطانيا جراء تعطشها لتحقيقه من دون أن تبالي بما يتوجب عليها دفعه من ثمن..

المصادر:

1)  كتاب ” اعظم رجال العالم من ذوي البشرة الملونة ” . للمؤرخ الاميركي جي إيه روجرز

..  World’s Great Men of colour ، الناشر: Touchstone للنشر ، نيويورك ، طبعة ١٩٩٦.

2)  فيرغس نيكول: مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة ٢٠٠٤، ).

3)  ارشيف الأغاني الشعبية البريطانية، National Library of Scotland،ادنبرة، نسخة الكترونية ٢٠١٢.

4)   ونستون تشرتشل: حرب النهر ،  الناشر.. Mau Publising , نسخة الكترونية بتاريخ 2013

 

أضف تعليقاً