أرجوكم لا تخلقوه..
لاحظتُ شيئاً عجيباً جداً:
كل شكوى تُرفع هذه الأيام ترفع إلى السيد البرهان، وكل (عوَج) يُشار بتصليحه للبرهان، وكل مظلمةٍ لا ينصفُ فيها إلا البرهان !!
• ولو كانت هذه (الشّكاة) يفعلها (العامة والدهماء) من الناس فلا بأس، فهم لا يعرفون غير (الحاكومة) وفي (الحاكومة) لا يعرفون غير البرهان الذي قلَب شركاءه في الحكومة، غير أن هذه -بكل أسف- يفعلها الصحفيون والمفكرون والكتاب وأصحاب الرأي!!
• قبل مدة، واحد قال للبرهان أرجوك فك أسر الصحفية ريشان أوشي بعدما تمّ حبسها في قضية مدنية، وواحد آخر دفع بقائمة ترشيحات للبرهان ليختار منها رئيس وزراء بدل السيد كميل ادريس المتعثرة والعاجزة حكومته !!
والآنسة ريشان أوشي نفسها، بعدما أُطلق سراحها، كتبت عن مفاسد وتبديد أموال في ولاية الخرطوم، ثم رفعت للبرهان الأمر ليتم تصحيحه..
والسيدة أم وضاح(المدرعة كما يلقبونها) ما فتئت (تنادي) على البرهان في كل كبيرة وصغيرة وتقول له إن لم تفعل كذا وكذا ستخسر خسراناً مبينا!!
• كل هؤلاء وغيرهم يستنجدون بالبرهان وقليل منهم من استنجد بالدولة أو بالمؤسسات! وأقل منهم من قال يا ايتها النيابة شوفي شغلك، أو يا وزارة العدل، أو يا ايتها الشرطة هذا شغلك !!
كل الأمور مرفوعة إلى السيد البرهان!!
• طبعاً السبب الظاهر لذلك معلومٌ جداً، لأن السيد البرهان عندما (قلَب) الحكومة التي كان متشاركاً معها، أصبح -بوضع اليد- هو حاكم السودان الأوحد، ولكن غير المفهوم أن يساعده الناس، وبخاصة أصحاب الرأي والفكر، ولا يذكرونه بالدولة وبالمؤسسات، وانما يدفعونه دفعاً إلى تكريس كل شئ في يده، مثلما يتشوّق !!
وهؤلاء الصحفيون (والمفكرون) والدكاترة والكتّاب لا يعلمون أنهم في أي إستجداء يوجهونه للسيد البرهان هم في الحقيقة إنما يهدمون مؤسسات الدولة، إذ كلما كرّس السيد البرهان السلطات في يده، وأيّده هؤلاء، كلما أُضعفت في المقابل المؤسسات والمؤسسية وحُكم القانون، وأصبحت بلا جدوى، وبمرور الوقت، ومع تكرار الدعوة والإستجداء لتكريس حكم الفرد يصبح هذا الفرد فرعوناً سواء كان هو البرهان أو غيره، فإذا ما استصحبنا دعوات السيد تِرِك وغيره إلى مبايعة البرهان رئيساً للجمهورية نكون قد أصبحنا وجهاً لوجه مع مملكة فرعونية قادمة !!
• الفرد عندما (يتحكم) في الدولة فهو يحكمها على حساب (الدولة) فيكبر ويتضخَّم حتى يصير (هو الدولة) ويوماً ما سيقول (أنا الدولة) فإذا (ذهب) لأي سبب، وخاصةً إذا كان ذهابُه (عنيفاً) فسوف تذهب معه الدولة فوراً !!
• فيا أيها الناس: إذا كنتم تريدون (الدولة) فلا (تشلِّعوها) قطعةً قطعة وتسلموها (لفرد) سواء كان السيد البرهان أو غيره، ولكن ذكِّروا هذا الفرد بالدولة وبالمؤسسات كلما ناشدتموه -بحكم الأمر الواقع- لإنجاز عمل، وإلا فإنَّ هذا الفرد سينسى نفسه (الفردية) ويصدِّق أشواقه، ويظن أنه (هو الجماعة) وهذه لحظة ميلاد الفراعين بالضبط !!
————————
جاء في لطائف الأقدمين أن أمرأةً في زمن فرعون ماتت معزتها، فأتت متوسلةً إلى فرعون مصر (ليحييها) لها، بعدما سمعت أنه (يحيي الموتى)!! فقابلها هامان على الباب وقال لها: والله فرعون هذه اللحظة مشغولٌ (بخلق الجداد)، ولكنني سأعطيك معزةً بدل معزتك، ففرحت المرأة المسكينة وأخذت (غنمايتها) وانصرفت وهي تلهج (بتوحيد) فرعون.. خرج فرعون بعد ذلك فقال له هامان لقد جاءتك إمرأةٌ هنا ماتت معزتُها (لتحييها) لها فقلتُ لها إنك الآن مشغولٌ (بخلق الجداد) وأعطيتُها معزةً بدلها، فقال له فرعون شكراً يا هامان.. وآه لو تدري كم هو صعبٌ خلقُ (الجداد)!!


