وصية عديل.. “لا تُجاملوا “بقضايا الوطن

  • 13 نوفمبر 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد - رئيس تحرير صحيفة "التحرير" الإلكترونية

انتقال بعض الناس إلى رحاب الله، يتجاوز ألمه، وتأثيره المُوجع، حزن الأسرة الصغيرة، والأهل، والأصدقاء، والزملاء، إلى دوائر ومساحات أوسع، وأكثر إيجاعاً، على امتداد مساحة الوطن، وفي مثل هذه الحالة، يستمد الحزانى دوافع حزنهم من أبعاد وطنية.

السياسي السوداني، القيادي بحزب “الأمة القومي”، بكري أحمد عديل، الذي انتقل إلى رحمة الله (12 نوفمبر 2017)،  كان من  هذا النوع النادر من القيادات، وقد أثار رحيله، مواجع من عرفوا أدواره، ومواقفه المبدئية، المنحازة لنبض الشعب.

الراحل، الذي عمل في فترة الديمقراطية بالسودان وزيراً للتربية والتعليم، والطاقة وحاكماً لـ “كردفان” الكبرى (منطقة في غرب السودان)، دخل قلوب سودانيين، من مختلف ألوان الطيف السياسي، وصار محبوباً.

فقيد الوطن، الذي نرى أنه دخل أنصع صفحات تاريخ السودان السياسي، تميز بسمات عدة، في صدارتها، أنه كان صاحب موقف وطني معلن، وواضح وملموس، يرفض أنظمة الحكم الانقلابية، الظالمة، الباطشة.

بقي على موقفه الوطني، في أصعب الظروف، وخصوصاً، بعدما يداهم الشعب انقلاب عسكري، يصادر الحقوق والحريات، كما فعل، ويفعل حالياً نظام الرئيس عمر البشير، لم تتبدل قناعات الأستاذ بكري عديل، ولم  يتلون، حتى ساعة الرحيل، ما يعني أنه نمودج، ومثال يُقتدى به.

قادة “الأمة” نعوه نعياً يُعبًر عن نضاله، كان الراحل أحد قادة الحزب التاريخيين، وأعمدته التي لم تسقط، أو تتساقط، رغم قسوة القمع، كما لم تستهويه الإغراءات، وقد أشار إلى ذلك رئيس الحزب.

قال الإمام الصادق المهدي عن الراحل: “مهما استمال نظام الطغيان الحاكم من استمالهم بالوعد والوعيد، فانه (بكري عديل) صمد في موقفه المبدئي”.

نحن في ” التحرير” نرى أيضاً أن الصمود صعب في زمن الديكتاتورية والبطش والقمع، والإغراءات الوظيفية، التي استنزفت، وتستنزف موارد البلد.

الانقلابيون يستخدمون ثروات البلد، لشق صفوف الأحزاب والحركات، والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وحتى الأسر والعائلات، أي أنهم يضربون ويمزقون المجتمع كله، ولهذا نحيي صمود عديل، كما نحيي من يواصلون الآن مسيرة القبض على الجمر، من دون استثناء.

في هذا السياق جاء نعي حزب “المؤتمر السوداني” وهو حزب يأتي في صدارة قوى “الصمود” في السودان. قال “في شهادة تاريخية: ” عُرف عن الراحل صموده في مقاومة النظام الديكتاتوري الفاسد، والتزامه جانب الشعب وحقه في الحرية والسلام والكرامة” وأن ” سيرته العطرة، الملهمة، خير تركة”.

الراحل الذي تخرج في جامعة الخرطوم (اقتصاد) في العام 1958، ارتاد آفاق العمل الوطني منذ العام 1953 (تاريخ التحاقه بالجامعة)، كما كان، رياضياً، ماهراً في لعب كرة القدم، في المرحلة الثانوية، وكان – كما قال في أحاديث نشرتها صحف ومواقع سودانية – يحب ” أغاني الجراري” (أغاني شعبية كردفانية)، ما يعني تفاعله الحميم مع مجتمعه وثقافة أهله، في إطار السودان الكبير، الذي مزقه الانقلابيون إلى دولتين.

من أبرز سمات عديل، أنه كان زعيماً إصلاحياً، لقد دعا إلى الإصلاح داخل الأحزاب السودانية، وداخل حزبه (الأمة)، وكان موقفه واضحاً في هذا الشأن.

رغم أن رؤاه تباينت مع رؤى قيادة حزبه، حول بعض القضايا، في بعض المحطات، إلا أنه  لم ينشق عن كيانه وبيته الكبير، بيت  “الأمة”،  ومن هنا تبدو روعة الموقف،  الذي يحافظ على قيم النضال، ولا يدوسها،  أو يطأها برجليه، وهو  قال في هذا الشأن إن ” كل ما قمنا به ( كان يهدف) لدعم الحزب وسيادته واستقراره”.

عديل، الذي لمع نجمه السياسي، بعد ثورة أكتوبر 1964، شارك في المظاهرات ضد الاستعمار في المرحلة الثانوية (خورطقت)، وقال في أحاديث نشرتها صحف ومواقع سودانية إنه شارك في وداع الجيش البريطاني،  الذي غادر السودان من كبري النيل الأزرق إلى محطة السكك الحديد، ووصف  الوداع بأنه ” كان مؤثراُ جداً” وقال  ” بكيت عندما تم رفع علم الاستقلال”.

على صعيد الزمالة، في مدرسة حنتوب الثانوية، قبل أن ينتقل إلى خورطقت بطلب منه، أشار في أحاديث نُشرت في السودان، إلى بعض زملائه الذين صالوا وجالوا في دنيا السياسة السودانية، وبينهم الراحل الدكتور حسن الترابي (الأمين العام السابق لحزب المؤتمر الشعبي) والراحل محمد إبراهيم نقد(السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي السوداني) ، والراحل جعفر نميري (رئيس سابق)  ، وعبد الماجد حامد خليل (وزير دفاع سابق)، الذي كان زميله بخورطقت الثانوية، وشخصيات أخرى يصعب حصرها.

يبقى أن نشير إلى أن صلابة عديل وقوة مواقفه الوطنية، نابعة أولاً، من بيئة سودانية “كُردفانية” (منطقة في غرب السودان)، حيث استمد قيم الشموخ من والده أحمد عديل، الذي كان ” شرتاي” (موقع إداري في الإدارة الأهلية).

منذ صغره في (أبو زبد) تعلم في “الخلوة” (موقع تعليمي يقدم لأطفال السودان في الريف دروساً لحفظ القرآن)، كما كان الراحل من أسرة حاربت في معركة شيكان (٥ نوفمبر ١٨٨٣) وهي معركة تاريخية، انتصر فيها جيش الإمام المهدي على الجيش الغازي بقيادة الجنرال البريطاني وليام هكس.(راجع مقالاً في صحيفة “التحرير” الإلكترونية بعنوان “في ذكرى شيكان .. الأرض تبتلع الغزاة).

كل هذا يعني أن الحزن الذي أثاره رحيل عديل، هو حزن وطني لدى عشاق الوطن، وأنصار الحرية، لكنه حزن شخصي لكاتب هذا السطور. التقيته للمرة الأولى، عندما كنت طالباً في مدرسة خور طقت الثانوية، أثناء الاحتفال بـ “يوبيلها الفضي”، وكان الراحل جاء ضمن قوافل خريجي المدرسة العريقة للاحتفاء بالحدث، وكان الخريجون نجوماً في المجتمع السوداني، في كل التخصصات والمجالات.

التقيته في داخلية تكتوك (كنت رئيسها)، لمست، خلال اللقاء، نبضاً إنسانياً، ودوداً، سيبقى أثره في النفس والعقل والوجدان.

أذكر أن الراحل، قال في سياق حديث سياسي، جرى على هامش مؤتمر، عُقد قبل سنوات عدة “لا تُجاملوا بقضايا الوطن”، وهكذا حملت كلماته نصيحة، لن أنساها، وأعتقد بأنها نصيحة للسودانيين.

لغة الوفاء لفقيد الوطن، ولكل من رحلوا، ووضعوا السودان في حدقات العيون، تقول، للسودانيين – وبينهم “أحباب الوطن وحبيباته”، وقادة العمل السياسي والنقابي ومنظمات المجتمع المدني، باختلاف المسميات والمواقع – “لا تُجاملوا بقضايا الوطن”، قضايا حقوق الشعب.

أي تمسكوا بحقوق شعبنا، وواصلوا المسيرة الجماعية، لتسود الحريات، وترفعوا أعلام النصر، وتحققوا العدالة، والمساوة، والعيش الكريم للسودانيين كافة.

modalmakki@hotmail.com

 

 

أضف تعليقاً