حي غبيرة .. قصة عشق ومحاولة لرد الاعتبار

  • 07 يوليو 2019
  • لا توجد تعليقات

رصد- التحرير:


عمر عبدالرحيم المونه :


أتحدث عن أحد أهم أحياء العاصمة السعودية الرياض، إنه حي غبيرة الذي عرف بكونه حياً محبباً للسودانيين، ومع ذلك هناك من حاول أن ينال من سمعته، وسمعة ساكنيه.

في عام ٢٠٠٧م، عدت مره اخرى الي رياض الخير بعد أن فارقتها في عام ١٩٩٩م. حيث تم نقلي الي إدارة الشركة التي كنت أعمل بها إلى مدينة جدة، ومنها إلى مدينة الباحة فأمضيت ثماني سنوات، فعدت مرة أخرى الي الرياض، وسكنت بحي السليمانية فترة وجيزة.

 وكنت يومياً آتي إلى شارع غبيرة، أنا وأسرتي للشراء، وفي ذلك الوقت، كان الشارع وما زال عامراً بكل ما هو سوداني، ولا أخفيكم أنني أشتم في هذا الشارع (الرمز) رائحة سوق أمدرمان، وردهات سوق سعد قشره، وشواء قندهار، وقهاوي السوق العربي العتيقة، فتنامى الود بيني وبين شارع غبيرة.

ولكن هذا الحي تعرض لظلم وافتراء بالروايات الخاوية. فصوره بعض الناس كما لو كان حياً سيء السمعة، وبات في مخيلتي أن هذا الحي مثل البيوت التي تقبع خلف سينمات أمدرمان وفي أطراف المدن. وكنت عندما أمر بشارعه العام أتحاشى الدخول في أزقته خوفاً من اية (كشه).
هكذا رسم بعضهم صورة هذا الشارع في قصصهم، وأضحى ذلك الحي من المحرمات.

ورويداً رويداً، بدأت أكتشف الحقائق بنفسي، فقد أدركت أن كل ما حيك عن هذا الشارع هو افتراء وزيف. وسمعت ذات مره من أحد رواة القصص الخيالية بأن أمام أحد المساجد تحدث عن سلوكيات السودانيين في هذا الحي.

أي خيال هذا؟ والغريب أن رواية مختلقة تبدأ في التضخيم، حتى تبدو محبوكة، ومقنعة.

قررت في عام ٢٠٠٨م أن أسكن في ذلك الحي، وبالفعل خضت تجربتي، التي أفخر بها.

وقد كانت النتيجة أن أجمل الجيران وأعظمهم هم من جاورتهم في هذا الحي، فهم أصحاب معدن من الذهب، ويستمتع المرء بمعاشرتهم، وصداقتهم.

وهكذا بدأت رحلة الود مع هذا الحي الذي بدد غربتنا، فعندما أخرج إلى عملي، أشبع من السلام والترحاب… اوووو اهلا يا فلان، وقفشات هنا وهناك، صور حتى في أمدرمان مدينتي العريقة اندثرت.

غبيرة.. أحبتي قطنها الأطباء والعلماء والمفكرون والساسه والرياضيون وشهداء في ثورتنا الخالدة. (اللهم ارحم وتقبل الشهيد دكتور بابكر عبدالحميد). 

إن من اشاعوا عن حي غبيرة ما ليس فيه هم من لم يعرفوا حياة المدن، وطبيعة أحيائها، التي لا يمكن الحكم عليها بالمظاهر الخادعة، ومن هؤلاء من يحكم على الناس بما لديهم من مال، وبما يلبسون من ملابس فاخرة أو بالية، أو بما يركبون، وهؤلاء لا شك كان لهم دور كبير في تشكيل صورة سيئة عن هذا الحي الشعبي، الذي أهم سمته عمق العلاقات الإنسانية، وبساطتها.

غبيرة حي رؤوم وعطوف على ساكنيه، تستطيع أن تسكنه عاماً كاملاً تأكل وتشرب وتنام قرير العين؛ لأنه حي تكافلي، وساكنوه أهل شهامة، ونخوة، يحفظون العشرة، ويعرفون قيمة الجيرة والصداقة، ومن يسكنه من السودانيين قادمون من قرى وأحياء عريقة.

أنادي بتسمية حي من الأحياء الجديدة في وطني السودان باسم هذا الحي العريق في رياض الخير؛ تخليداً لذكريات رائعة عاشتها أجيال من السودانيين، الذي ارتبطوا به، وعشقوه، وحملوا بين جوانحهم وداً وحباً لمن خالطوهم، وعاشوا بينهم من سعوديين وسودانيين وجنسيات أخرى.

الوسوم رصد-التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*