الإثنين - 1 شعبان 1447 هـ , 19 يناير 2026 م

مخاوف من حصار مدينة الأُبيّض وتصعيد عسكري بشمال كردفان

حياتي مهددة وسأدافع عنها بكل ما أستطيع!

حياتي مهددة وسأدافع عنها بكل ما أستطيع!
رشا عوض

خلال هذه الحرب لم أتردد في نزع المشروعية السياسية والأخلاقية عنها بكل أطرافها، كصراع سلطة أَرعن وقذر ضحيته الأبرياء والحياة المدنية الحرة الكريمة!
على عكس كثيرين وجدوا في الحرب مناسبة لتجديد البيعة السياسية للجيش، إما خوفًا أو طمعًا أو قناعة بأنه مؤسسة وطنية، فإنني رأيت في هذه الحرب أقوى سبب لنزع القدسية عن الجيش وجرد حسابه بموضوعية وأمانة منذ تأسيسه حتى الآن، وأي قراءة موضوعية لتاريخ هذه المؤسسة سوف تفضي إلى أنها مأزومة أزمة عميقة بدأت قبل عهد الكيزان، وتعمقت بصورة كارثية في عهدهم الذي غيّر شفرة تشغيل أي مؤسسة في الدولة، وما نحصده الآن من ثمار مرة ومسمومة ما هو إلا مخرجات ذلك الحزب السياسي المسلح الذي اسمه الجيش! ذلك الحزب الذي حكم البلاد ٥٦ عامًا، ثلاثون منها هي سنوات الإنقاذ المشؤومة التي تزاوجت فيها الفاشية الكيزانية بالفاشية العسكرية، ونتج عن ذلك هيمنة التنظيم العسكري الأمني الكيزاني على السودان، وأصبح ذلك المركز الأمني العسكري هو النواة الصلبة لنظام الاستبداد والفساد المتأهب والمتحفز الآن لذبح أي مشروع مدني ديمقراطي بواسطة هذه الحرب، وهي آخر حلقات الثورة المضادة لثورة ديسمبر المجيدة.
في ظل حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي الناتجة عن الحرب، مثل هذا الموقف من الجيش يفسره المتربصون وسدنة الدعاية العسكر–كيزانية بأنه تأييد مبطن للدعم السريع، أو دعاية مباشرة له!
وفي هذا السياق أقول لمن يهمه الأمر إنني لو كنت أرى في الدعم السريع مخلصًا للبلاد أو محررًا لها من قبضة الاستبداد والفساد والتخلف، لما ترددت لحظة واحدة في تأييده علنًا والانضمام إلى التحالف السياسي الذي أنشأه!
ما كتبته في مقالاتي منذ أن كانت قوات الدعم السريع مسيطرة على الخرطوم والجزيرة وفي قمة انتصاراتها الميدانية، هو أن الدعم السريع بطبيعته البنيوية مشروع استبداد مليشياوي نشأ في ظل الإنقاذ، وما زال يحتضن الكيزان في صفوفه الأمنية والعسكرية، وما ارتكبه من انتهاكات ضد الأبرياء خلال هذه الحرب وقبلها، وطبيعة قيادته الأسرية والعشائرية، ومصالحه الاقتصادية المرتبطة عضويًا بعنف الدولة، كل ذلك يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن نقدي للجيش ينطلق من موقع مدني ديمقراطي مستقل تمامًا عن طرفي الحرب، ولا علاقة له بانحياز للدعم السريع.
وهنا من حقي ومن حق كل المؤمنين بمشروع السلام والديمقراطية أن ندافع عن حقنا في الحياة! وأعني هنا الحياة المعنوية بأبعادها الفكرية والسياسية والأخلاقية، فالحياة بهذا المعنى هي جوهر الحضور الإنساني وبصمته الخالدة! من حقنا وواجبنا في ذات الوقت أن ندافع عن حقنا في هذه الحياة، وننتزعها انتزاعًا من براثن هذه الحرب التي تكرس لفكرة استحالة الوجود المستقل والقائم بذاته للقوى السياسية المدنية التي لا تحمل السلاح! فهذه القوى تم اختزال الأفق أمامها في خيارين لا ثالث لهما: إما بوت الجيش وإما بوت الدعم السريع!
لا أعلم متى وكيف ستنتهي الحرب، ولا أعلم طبيعة الواقع السياسي الذي ستفرزه نهايتها، ولكنني على يقين أن الحرب ستتوقف يومًا ما، وأن الحاضر والمستقبل متعطشان لمشروع السلام والبناء والتعمير والحرية والعدالة، وأن البذور الصالحة لزراعة المستقبل بالرفاه والحرية والعدالة كامنة في مشروع السلام والديمقراطية، لا في فوهات البنادق!
من يحملون المشروع المدني يجب أن يثقوا في أنفسهم ويفخروا بأنهم يحملون حملًا ثقيلًا في وزنه وقيمته، وكبيرًا بالقدر الذي يجعله عصيًا على الدخول في أي بوت عسكري!
هذا حقنا في الحياة، ويجب أن ندافع عنه بكل قوة وصلابة.
أما العسكر من جيش ودعم سريع وحركات مسلحة، فهم جزء من واقع سياسي وعسكري معقد، يتحتم على قوى السلام والديمقراطية أن تمتلك منهجية عقلانية للتعامل معهم، إذا كان الهدف هو الدولة المدنية الديمقراطية، فليس المطلوب التحالف السياسي مع أي فصيل عسكري، بل المطلوب هو التفاوض الجاد حول خارطة طريق خروج العسكر من السياسة والاقتصاد. هذا طريق صعب ووعر ومرصوف بالألغام والمطبات، يحتاج اجتيازه إلى عسر مخاض في الجهد والزمن، ولكنه في المقام الأول يحتاج إلى شجاعة معنوية في الجهر بكلمة الحق أمام جميع الأطراف العسكرية، وأكثر طرف يستحق مرافعة اتهام وطنية قوية هو الجيش! ليس من باب التواطؤ مع الدعم السريع، بل من باب النزاهة والموضوعية في تقييم التجربة التاريخية للدولة السودانية التي كان هذا الجيش أكبر فاعل تخريبي فيها، وما التخريب الذي مارسه الدعم السريع إلا تخريبًا فرعيًا من جنس التخريب الأصل الممتد على مدى سبعين عامًا الذي مارسه الجيش على السياسة والاقتصاد.
والمشكلة ليست ما فعله الجيش في الماضي، بل هي عدم توفر أدنى إرادة لدى الجيش في فتح صفحة جديدة نحو المستقبل! فالجيش يرفض رفضًا مغلظًا، ومع سبق الإصرار والترصد، التقاط إشارة التاريخ. وقد أحسنت القوى المدنية الظن بهذا الجيش بعد ثورة ديسمبر المجيدة، وظنت أنه يمكن أن يكون شريكًا في انتقال مدني ديمقراطي يؤسس لجيش قومي مهني واحد يرفع وصايته عن الحياة السياسية، ويقبل بالتفكيك التدريجي المرحلي للقبضة العسكرية على السياسة والاقتصاد.
لم يلتزم الجيش بهذا الخيار في إطار القبول بتحول استراتيجي في بنية المؤسسة العسكرية، وفي إطار مواجهة جدية لواقع تعدد الجيوش، وهو أسوأ جانب في تركة نظام الكيزان. لم يقبل بحل معضلة الدعم السريع وغيره من المليشيات بعملية إصلاح أمني وعسكري شاملة تتضمن إصلاح الجيش نفسه، بدلًا من حل هذه المعضلة عبر الحرب.
لماذا لم تقبل قيادة الجيش بهذا التحول الاستراتيجي الذي كان مطلوبًا بإلحاح لحماية السودان من ويلات الحرب الإجرامية الدائرة حاليًا التي تنذر بتفكيكه؟ الإجابة باختصار شديد هي عدم وطنية هذا الجيش للأسف الشديد! هذا الجيش خاضع للنفوذ المصري خارجيًا، وللنفوذ الكيزاني داخليًا، وبين النفوذ المصري والكيزاني مساحات تداخل وتواطؤ، فضلًا عن أن هناك شبكات مصالح اقتصادية محلية ضخمة لا تستطيع الحياة إلا في ظل حكم عسكري يحمي الفساد. وهناك عقلية موروثة مسيطرة على جنرالات الجيش، قوامها أن المؤسسة العسكرية السودانية خُلقت من أجل الحكم، وهي الأحق به بدون أدنى مساءلة!
ولأن عهود الحكم العسكري احتلت ٥٦ عامًا من سنوات الاستقلال السبعين، تمددت ثقافة تمجيد الحكم العسكري في عقول السودانيين عبر سيطرة الأنظمة العسكرية على الإعلام والتعليم. أضف إلى ذلك انفراد الكيزان بالحكم لثلاثين عامًا، وهم في الأساس تنظيم عسكري انقلابي استوطن في مفاصل الجيش. كل هذه المعطيات تقول إن هذا الجيش بطبيعته البنيوية عائق كبير أمام السيادة الوطنية، لأنه ظل على الدوام أداة استتباع مصري للسودان، وعائقًا أمام الاستقرار بسبب النفوذ الكيزاني المرتبط بإيران والجماعات الإرهابية، وعائقًا أمام التنمية الاقتصادية والبشرية لأنه يستنزف موارد البلاد ويحمي الفساد ويدير الأنشطة المدمرة للاقتصاد السوداني، وعلى رأسها تهريب الذهب، أهم مورد للعملة الصعبة في البلاد، وكذلك تهريب الماشية والمحاصيل بعيدًا عن ضوابط التصدير!
وهو عائق أمام الوحدة الوطنية، لأن أطماع السلطة المسيطرة على قيادته والعقلية الكيزانية المتحكمة في مفاصله تجعله على أتم استعداد لتقسيم البلاد مجددًا إذا لم ينجح في هزيمة الدعم السريع في كردفان ودارفور. وما ارتكبه في الماضي من انتهاكات في الجنوب قبل انفصاله، وفي دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وما يرتكبه الآن من انتهاكات في دارفور وكردفان، سبب في إضعاف الرابطة الوطنية!
إنني أكرر الجهر بهذه الحقائق دونما أدنى لجلجة أو ارتجاف، في محاولة متواضعة لأداء فريضة وطنية غائبة لن يستقيم أمر الوطن دون أدائها بإخلاص. إن تكسير الأصنام يبدأ من داخل العقول والأفئدة بنزع قدسيتها، وتأسيس مشروعية مساءلتها بصرامة وحزم! وهذا هو دورنا المتواضع كمشتغلين في ميدان صناعة الرأي العام. هذا الدور هو بداية الطريق نحو التحرر من أكبر صنم ما زال بعض السودانيين يطوفون حوله رغبة أو رهبة أو نفاقًا أو جهلًا.
وقد مررت شخصيًا بتجربة الجهل والغفلة، واعتقدت يومًا ما أن هذا الجيش يمكن إصلاحه! ومع بداية اعتصام القيادة العامة كتبت منشورًا على صفحتي في فيسبوك تحت عنوان: جيش واحد شعب واحد! بعد فض الاعتصام وانقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، وبعد زلزال حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، تغيرت نظرتي للجيش. فالحرب التي كشفت سترنا، ونزعت منا الأمان والكرامة، وأخضعتنا لمذلة اللجوء وخوف المجهول، يجب أن تكون محفزًا على استخلاص وعي سياسي جديد أكثر شمولًا وعمقًا بأزمتنا الوطنية المزمنة، وإعادة النظر في كل مؤسسات الدولة العسكرية، وكذلك المدنية. فالنقد لا يستثني المدنيين، ولكن الأولى بالنقد هو المؤسسة العسكرية، لأن نتيجة فسادها وأطماعها السلطوية وارتهانها لأعداء الوطن داخليًا وخارجيًا كانت إحراق البلاد بالحرب، وتشريد مواطنيها، وإمطارهم بوابل الرصاص والدانات داخل منازلهم وأسواقهم وفي معسكرات نزوحهم!
الجيش أكبر سلطان جائر في هذه البلاد، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر!

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور