فى خصوص مصر والسودان

  • 12 نوفمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

محمد جميل أحمد

من الأهمية بمكان التسليم اليوم بضرورة البحث عن وعى مختلف للعلاقة بين المصريين والسودانيين، كما هى فى سياقها التاريخى والمعاصر، خاصة بين مثقفى البلدين.
شخصياً، لست ممن لا يدركون أهمية مصر البالغة للسودان على نحو لا فكاك منه، ولكن، فى الوقت ذاته، أدرك تماماً، أن الوقوف على الحقائق الصلبة حيال الأحداث والوقائع التاريخية والمعاصرة بين البلدين، يقتضى الكثير من الاكتراث من قبل المثقفين فى مصر والسودان، بحثاً عن سوية موضوعية للعلاقة.


قد لا يدرك بعض المصريين، أن صورة مصر فى السودان تغوص بعيداُ فى الكثير من تمثلات الحياة السودانية الحديثة. والسودانيون يعرفون ذلك جيداً فى قرارة نفوسهم؛ لأن كثيراُ من العادات السودانية الصميمة، لاسيما تلك المتصلة بتقاليد الحياة المدنية، تتصل فى علاقاتها البعيدة بخزين تعود جذوره إلى مصر.


كما لم تكن لمتغيرات العلاقة بين السودان ومصر، وحتى فى توتراتها فى يوم من الأيام،علاقة بانفصال الجنوب الذى تتصل قضيته بمأزق دولة المواطنة فى السودان الشمالى من ناحية، وبتجربة انقلاب نظام الإنقاذ الإسلاموى من ناحية ثانية. ولهذا فإن الزج باسم مصر، من قبل البعض، فى ملف انفصال جنوب السودان تدحضه الكثير من الحقائق؛ إذ لم تكن مصر تفكر فى انفصال الجنوب كورقة للمزايدة السياسية حتى أثناء الخلاف السياسى الحاد بين الدولتين إثر محاولة اغتيال الرئيس المصرى حسنى مبارك فى أديس أبابا العام 1995م.


وفى سياق هوية العلاقة بين الشعبين وخصوصيتها، يمكننا أن نشير بوضوح إلى ما يؤكد تلك العلاقة الخاصة بين شعبى وادى النيل من خلال حدثين تاريخيين لندرك على ضوئهما السوية العقلانية للعلاقة بين مصر والسودان؛ أحدهما، اتفاقية مياه النيل الموقعة بين مصر والسودان فى العام 1959م التى طالما سمح السودان لنصيب حصته فيها من مياهه التى كانت تضاف إلى حصة مصر فى تلك الاتفاقية، إدراكاً منه لحاجة مصر الديمغرافية إلى المياه.

والحقيقة الثانية ؛ قبول السودان بالتنازل عن غمر مدينة حلفا القديمة، كاملة،ً من أجل بناء السد العالى فى مصر، وترحيل أهالى مدينة «حلفا » السودانية (التوأم الشقيق لمدينة أسوان المصرية) بكاملهم إلى مدينة «حلفا الجديدة» بشرق السودان، وذلك أيضا تقديراً من السودان للعلاقة التى تربط بين الشعبين فى وادى النيل. هاتان الحقيقتان هما جزء من إدراك السودانيين لهوية العلاقة بينهم وبين مصر، لأنهم يعرفون، تماماً، أن مصر كامنة فى جوهر الحياة الحديثة للدولة والمجتمع السودانِيَين بأكثر من صورة.

وهذا ما لم يدركه، مثلا، المهندس الروسى الذى أشرف على بناء السد العالى، حين تعجب فى مذكراته، من أن: كيف لشعب أن يهب شعبا آخر جزءاً من بلاده بلا مقابل؟! فى الوقت ذاته، يدرك كاتب هذه السطور، أن هناك عقلاً مصريا استراتيجيا يعرف، جيداً، أبعاد وهوية العلاقة بين مصر والسودان، ويدركها إدراكاً تاماً، إلى جانب الروح الشعبية للمصريين الذين يدركون، فى مكان ما، خصوصية العلاقة بينهم وبين السودانيين.


كما لا شك أن هناك «بلاغة مركزية» ضاربة للعامية المصرية، لا يمكن أن تفلت من ذاكرة المثقف المصرى عند تأطير هوية دفاعية ساخنة فى الاصطفاف مع بلده حيال أى سجال ضدها. لكن تلك «البلاغة المركزية» وسلطتها الناعمة (التى لا تكاد تصمد أمامها أى بلاغة للهجة عربية أخرى) يمكننا القول أنها، فيما خص العلاقة بين مصر والسودان؛ تعرف تماماً ذاكرة تلك العلاقة المصرية السودانية وخصوصياتها، ما يجعل تلك البلاغة «المركزية» تقدر حدوداً بعينها للحد من تداعيتها السالبة عند كل منعطف من منعطفات التوتر بين البلدين. ذلك لأن ثوابت العقل الاستراتيجى المصرى حيال السودان، هو أصل أصيل من أصول تسكين تداعياتها من ناحية، ولمكانة السودانيين الطيبة فى ذاكرة المصريين كذلك.


قد لا يعوزنا القول: أنه فى مصر اليوم هناك مثقفون نادرون، ممن يدركون تصورا غائباً لممكنات هوية متوسطية غنية لمصر، وهو إدراك فى عقول نخبة من أبنائها المبدعين. فمصر التى تكاد تغيب فيها عن أجيال اليومــ لأسباب كثيرة يطول شرحهاــ مكانة متوسطية كان يمكن أن تدرجها فى مصاف مختلفة عن محيطها العربي؛ هجس بهويتها الثقافية اللبرالية المتوسطية تلك؛ كتاب مهم لمثقف سودانى كبير (لا تعرفه الأجيال المصرية اليوم ولا السودانية حتى) هو الأستاذ جمال محمد أحمد صاحب كتاب: (الأصول الثقافية للقومية المصرية) وهو كتاب ألفه المفكر السودانى المرموق عن جذور الليبرالية فى مصر (« أكسفورد » باللغة الإنجليزية)، ناهيك عن مجاز الشاعر السودانى التجانى يوسف بشير، حين قال عن وصف العلاقة بين مصر والسودان: إنَّمَا مِصْرُ والشَّقِيقُ الأخُ السودانُ كَانَا لِخَافِقِ النيلِ صدْرَا).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*