مكائد الشيطان في قرية حنان

  • 05 يناير 2020
  • لا توجد تعليقات

صلاح الدين مصطفى


  • في إجازة سنة أولى ثانوي ونحن ماشين على تانية،جاتنا دعوة من جمعية القرآن الكريم لرحلة إلى قرية حنان الكويتية ،الدعوة كانت تحفيظ قرآن كريم لكن كنا نعرف أنها (معسكر تجنيد كيزان)..!
    المهم اجتمعنا نحن شلة الركن الهادي وجماعة (الفجر المرتقب) بحي الدناقلة، فيما بعد (شخصي ،بابكر جاد الرب،عبد المعروف جاد الرب،هيثم جبارة وفيصل جبارة) وقررنا نمشي الرحلة وبذلنا جهد كبير لإقناع ولاة أمورنا بأهمية هذه الرحلة .

  • يوم الجمعة 24\3\1989 تحرك بنا بص (لوري سفنجة)الساعة الثانية والربع ظهرا من أمام مسجد الختمية بديم حمد وكان بداخله عدد من طلاب المدارس الثانوية المختلفة ووصلنا قرية حنان الخامسة مساء،ةتُعدُّ القرية التي أنشئت بمعونة كويتية روعة في مبانيها وتنسيقها وقد خصصت لإيواء اليتامى لكن العمل لم يبدأ فقد كانت فارغة في تلك الأيام.

  • في اليوم التالي،خرجنا نحن(شلة الركن الهادي وجماعة الفجر المرتقب) مبكرين إلى خزان أبو رخم لصيد السمك وكنا جاهزين بسناراتنا لهذه المغامرة،وذهبنا بعد ذلك لقرية ابورخم وتناولنا طعام الغداء مع أسرة كريمة أوصانا بزيارتها عمنا جاد الرب عليه رحمة الله وعدنا قبيل المغرب ووجدنا كل المعسكر في حالة تأهب وتوتر كأنّ أمرا جلل قد حدث،وعلمنا سريعا أن غيابنا هو سبب هذه الربكة.
    الشخص المسؤول من المعسكر اسمه الهادي وكان معلما بالمرحلة المتوسطة وهو كوز (توفى في حادثة سقوط طائرة فيما بعد،الطائرة التي استشهد فيها القيادي الإسلامي أبوقصيصة ،إذا لم تخني الذاكرة)، استقبلنا أمير المعسكر بلهجة حاسمة وغضب شديد وأصدر تعليماته بعقابنا فورا،(استهبلنا) الموقف واستنكرنا ردة الفعل ورفضنا تنفيذ أي عقوبة وحزمنا أمتعتنا سريعا وقررنا العودة للقضارف (في الليل داك).

  • (اسقط في يد) الأمير لردة الفعل الغاضبة منا وأخبرناه بأننا في إجازة ترفيهية وليس معسكر جيش وبدأ في تحنيسنا لعدم المغادرة لأن في ذلك بوادر فشل ذريع لقيادته وبعد مجهود كبير منه ومن بعض الأصدقاء قررنا عدم الرحيل وقد تم تنفيذ (الجزاء) في أحد الكيزان.علمنا فيما بعد أنه أمير (كتيبتنا)وكان الجزاء (إدارة) بنفس طريقة العسكرية…!

  • في اليوم التالي فوجئنا بتغيير وجهة المعسكر الى منطقة المفازة،ويبدو أن إدارة القرية خافت من افتضاح أمرها باستضافة معسكر تجنيد وهو أمر مخالف للوائح الإدارية والجهة التي تدفع(الكويت)خاصة بعد أن ذاع صيتنا واشتُهر أنّ بالمعسكر جماعة من (بني قريظة) وهو لقب يطلقه الكيزان على أمثالنا من المشاغبين.

  • في المفازة بدأ التجنيد ،فرديا، حيث يتم الإنفراد بالواحد ويدور نقاش طويل حول الدين وضرورة حمايته وفترة الشباب وكيفية استغلالها في الدعوة الاسلامية،وكنت أناقش (بقوة عين) ،وعندما يقول (الهادي) كلمة (نحن) كنت أقول له من أنتم الجبهة الإسلامية …جماعة الترابي يعني؟كان يرد بأنهم الحركة الإسلامية وكان يقول بأنها (تيار واسع)…شخصيا قلت له بأنني حزب أمة متعصب ولا أقبل كلمة في (سيدي) الصادق..رغم أنني لم أكن كذلك بطبيعة الحال،حيث لم انضم لأي حزب حتى الآن…!
    أهم فترة كانت بعد المغرب،وقد خصص هذا الوقت لمحاضرات يقدمها كيزان يحضرون من الخرطوم خصيصا ،كنّا نتعمد التشويش على هذه المحاضرات ،خاصة وأننا كنا نجلس في مكان شبه مظلم ،ويسلط الضوء فقط على المنصة التي يجلس عليها المحاضر.كان محافظ الخرطوم في ذلك الوقت اسمه عابدون وجاء ضمن المحاضرين فهتفنا في وجهه (عابدون الشوم خرب الخرطوم) وكانت لحظات عصيبة،لكن لم يتعرف علينا أحد لأننا كنا موزعين ونجلس على الأرض في الظلام …!

  • في ذات يوم تم عرض فيديو للترابي وكان يكذب ويتحدث عن اغتيال محمود محمد طه ويحمّل المسؤولية للرئيس جعفر نميري وقال بطريقته المعهودة والمشهورة بتحريك يديه وكتفيه:” لقد حذرناه من تنفيذ حكم الإعدام لكنه كان مصرا على قتله” .. فهتفنا من قلب الظلام “كضاااااااب” وكانت أيضا لحظات عصيبة أحدثت ربكة كبيرة في المعسكر…!

  • في كل يوم يمر،كان عدد المشاغبين(الذين كفروا بالفكرة تماما) يتزايد ،حتى وصل إلى الثلث أو أكثر،وكان الثلث الثاني من المترددين في الإنضمام للحركة الإسلامية (التيار العريض) كما يدعون أو الجبهة الإسلامية كما نعرف نحن،أشعنا جوا من الفوضى ظل يزداد كل يوم،ومع النهايات اكتسب الكثيرون جرأة في النقاش ورفض الأفكار المعلبة التي حاولوا إدخالها في رؤوسنا العنيدة،وقد أتاح لنا هذا المعسكر معرفة كيزان المدرسة والوقوف في وجههم بقوة بعد ذلك .

  • سجّلت في مفكرتي أسماء العديد من رفقاء هذا المعسكر،منهم من تقدم في التنظيم على مستوى الولاية ومنهم من أختفى،وقد أتاحت لي هذه الرحلة (مناعة قوية) ضد هذا التنظيم الشيطاني ومنذ وقت مبكر فقد اكتشفنا كذبهم وتلاعبهم ومتاجرتهم بالدين،وكانت نقطة فارقة جعلتهم يضمونني إلى قائمة من(لايرجى اسلامهم)..!واذكر جيدا بعد أعوام في الدفاع الشعبي تم تدريبنا قسرا قبل الدخول للجامعة وكنت الوحيد من أفراد خيمتي الذي لم تتم أي محاولة لتجنيده في الحركة الإسلامية وتلك حكاية أخرى سأعود لها بالتفصيل.

  • من الطرائف أن أحد الذين يقومون بالخدمة في المعسكر وكان (دوره تجهيز الشاي) كان جهلولا وكذابا وادّعى أنه (كان) عقيد طيار ويظل ينسج حكاوي وبطولات وهمية ونحن في انتظار الشاي ،وكنا عندما نزهج من سذاجته نهتف في وجهه مع صفقة وإيقاع (الشاي في النار ياعقيد طيار) ..!وصار هذا الهتاف أيقونة المشاغبين طوال أيام المعسكر.
    *هذه الذكريات مدونة في (مفكرة سنوية) قبل انقلاب البشير بأقل من ثلاثة أشهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*