كلام الليل يمحوه النهار- العلمانية أو سماية الدولة (1-2)

  • 27 فبراير 2020
  • لا توجد تعليقات

رباح الصادق المهدي


ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليس أضجر لعاملٍ بالشأن العام من إدراك أننا أمة لا تُحسن قراءة تاريخها، بل ولا حاضرها، ناهيك عن قراءة العالم ودروسه، فتقع كل مرة في نفس الحفرة التي وقعت فيها أو وقع آخرون، وأفضل مثال لهذه الحقيقة المُرّة الصراخ المدوي الآن في جوبا وكاودا عن العلمانية. حتى سمعنا أقاويل الكمرد عبد العزيز الحلو وأركان حربه الثقافيين كدكتور أبكر آدم إسماعيل ودكتور محمد جلال هاشم بما معناه: فصل الدولة عن الدين أو “في ستين”!

سنناقش هنا كيف نَبَلت دعوة العلمانية بعد الثورة المجيدة، كأن مواثيق المعارضة السابقة كلها “شالها الهوا”ّ! فنحن معنيون هنا بإثبات حقيقة تبدل الخطاب. وفي مرة قادمة بإذن الله نعرض للبوست سيكولازم، أو “ما بعد العلمانية” في الغرب، وما تعنيه لنا لندلف إلى فكرتنا الأساسية حول “سماية الدولة” بشكل يبتعد عن تأجيج الاستقطاب إلى توطيد التوافق.

إن قضية العلمانية والأسلمة هي من أكثر القضايا التهاباً في بلادنا، وقد كان انقلاب الظلام المايوي 1969م مرتبطاً بها بالدرجة الأولى، وذلك لقطع الطريق على مسودة دستور 1968م الذي عُرف بالإسلامي، حتى أن عرّاب الانقلاب الأول: المرحوم بابكر عوض الله كان عشية الانقلاب على رأس عضوية لجنة مكافحة الدستور الإسلامي. وكان انقلاب السجم والرماد الإنقاذي مُتحجّجاً بالأسلمة إذ زاودت عليها الجبهة الإسلامية القومية وهَوْهَوَت في الأرجاء: “شريعة شريعة ولا نموت، الإسلام قبل القوت”، ثم امتطتها للجلوس على الكرسي غاشة للحقيقة ومزورة لها بقولها “هي لله، لا للسلطة ولا للجاه”، فقطعت الطريق على السلام الذي سماه مهندس الانقلاب المرحوم دكتور حسن الترابي بـ”الاستسلام” ، ثم أبطأت الإنقاذ ثورة الشعب ثلاثة عقود باختلاق قطيعة بين جماهير عاطفتها في الغالب إسلامية وبين شعارات التغيير التي حاولت ربطها بالتفريط في الدين.

هذا معترك خطير لا يحسن فيه الخوض بفجاجة الشعارات، ولا جهل العواقب ولا بذهنية “في ستين” خاصة مع هشاشة وضع السودان الآن، فما سوف يضيع لن تكون الوحدة فحسب، بل الوجود والجدوى لبلد وأمة هشة على حافة الانهيار الشامل، لا قدر الله.

تساءل دكتور عبد الله علي إبراهيم وهو يعلق على بعض مقولات د. أبكر آدم إسماعيل عن علمانية الدولة:
“لماذا زعزعت هذه الدعوة دوائر المعارضة المدنية والمسلحة التي قضت على الإنقاذ؟،..، لماذا بدا وكأن قحت قد فوجئت بمطلبه وبدا أبكر غاضباً لردة فعل قحت؟” واستغرب إبراهيم وبدا له “أن تحالفات المعارضة كانت محض معارضة تتعلق بأهداب عموميات لم تنسرب بها إلى وعي الناس بهمة مثقفيها لتصير قوة مادية تحمل الناس بتغيير ما بهم بسلاسة”. وهي جملة أغمتنا بقدر علمنا بوسع وعمق اطلاع إبراهيم على الشأن السوداني والعالمي، هو الذي استلهم “كسار قلم مكميك” لإبطال قراءة ثقافتنا بعيون خضر، والذي نظر كيف تمت مراجعات للعلمانية على يدي كثر كالأمريكي كريق كالهون، فهل فاتت عليه المياه السودانية التي جرت تحت جسر “علاقة الدين بالدولة” منذ انقلاب الشؤم؟

لم تترك المعارضة مُتردّماً فِكرياً لم تقف عليه وتتبادل الأفكار وتضع المواثيق وتعدلها. لكن دعوات الحلو ومشايعيه هي التي نَبَلت بلا سابق إنذار وكما يقول الفرنجة: خرجت من الزرقة، أي هطلت من سماء صافية بلا مقدمات.

ولم تكن المواثيق المذكورة تبرم بليل ولا في خفاء، بل انعقدت لها مؤتمرات وخرجت إعلانات، وتكبد قادة المعارضة جراءها سهام التكفير الطائشة من علماء السوء الإنقاذيين، بل طالتهم بسببها السجون والرهق، فكيف لم تطقش أذن ذلكم البحاثة القرّاء؟

لقد فرّق السوسيولوجي الأمريكي جوس كازانوفا بين علمانيتين: العلمانية كخطاب دولة، والعلمانية كأيديولوجية، معدداً بعض جوانب العلمانية العملية (كخطاب دولة) باعتبارها “أمور لا تتطلب أيديولوجية معينة مؤيدة ولا معادية للدين”. (انظر/ي: إعادة التفكير في العلمانية، تحرير: كريق كالهون، مارك جورقنسمير، وجوناثان فان انتوربن. مقالة جوس كازانوفا، ص 66).

وقد كانت مواثيق واتفاقيات قوى المعارضة على طول الخط مهتمة باستبعاد العلمانية كأيديولوجية حولها استقطاب كبير ولا يرجى الإجماع عليها، واستصحاب ملامح عملية مطلوبة في تنظيم علاقة الدين بالدولة مثلاً: وقوف الدولة على مسافة متساوية من الأديان والمذاهب، والمساواة في المواطنة وفي المشاركة الديمقراطية للجميع، وإتاحة حرية العقيدة، إلخ.

ومن أهم محطات المعارضة في ذلكم الطريق:

– إعلان نيروبي في 17 أبريل 1993م بين التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الشعبية لتحرير السودان الذي نص على أن تكون مواثيق حقوق الإنسان التي وقّع عليها السودان جزءاً من دستوره.

– اتفاق بين حزب الأمة والحزب الشيوعي في يناير 1995م ينص على الالتزام فيما يخص العلاقة بين الدين والدولة بنصوص إعلان نيروبي.

– إعلان أسمرا للقضايا المصيرية الذي وقعت عليه كل فصائل التجمع الوطني الديمقراطي في يونيو 1995م، وكانت الفقرة (13-ج) فيه “قرار حول الدين والسياسة في السودان”.

لقد ظلت صحائف المعارضة على الدوام تبتعد عن “السماية” وحولها استقطاب ضخم، وتهتم بالتدابير العملية المطلوبة.

وقد صدرت العديد من الأدبيات للأحزاب المعارضة المختلفة تفصل حول علاقة الدين بالدولة، لعل أشهرها كتابات رئيس حزب الأمة السيد الصادق المهدي مثل “فك الاشتباك الديني العلماني”، و”الهوية السودانية بين التسبيك والتفكيك”، و”حالنا ومآلنا” وغيرها من كتابات تذكر ما طرأ على العلمانية من مراجعات على يدي رموزها المعاصرين كبيتر بيرقر وتشارلز تايلور، وتتحدث عن المبادئ الواجبة في تنظيم علاقة الدين بالدولة، ومنها أن تكون المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وإتاحة حرية العقيدة، ومنع قيام أحزاب على أسس دينية، إضافة لحقوق أهل الأديان في سن تشريعات مستمدة من أديانهم تلتزم بالآلية الديمقراطية وبألا تمس حقوق المواطنة للآخرين.

وبرغم الاتفاق حول علاقة الدين بالدولة في مؤتمر القضايا المصيرية، فقد أثيرت لدى لقاء قادة الجبهة الثورية بقادة حزب الأمة في أغسطس 2014م، وجاء في إعلان باريس: (ناقش الطرفان بعمق علاقة الدين بالدولة كواحدة من القضايا الجوهرية واتفقا على مواصلة الحوار للوصول لصيغة مُرضِية لكافة الأطراف.)

كان كمرد الحلو حاضراً يومها، فكيف خرج هو وطاقمه الأيديولوجي مهددين، وما نقموا من زملائهم إلا قولهم إن هذا الأمر ينبغي أن يترك للمؤتمر القومي الدستوري لبحث صيغته التوافقية؟

لقد قُتلت قضية العلمانية والدين والدولة بحثاً يا إبراهيم، لكن إسماعيل ورهطه هم الذين خرجوا عن كل المواثيق القديمة والحديثة وأصروا على اسم العلمانية شرطاً للجلوس أو بالعدم النجوع، لقد محا كلام الليل النهار.. وإني لأجد ريح السافل لولا أن تفندون.

لنا عودة،
وليبق ما بيننا

صحيفة (الصيحة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*