كل ما هو مُتاح.. مناعة القطيع..مناعة المُراح

  • 22 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

د. بشير إدريس محمدزين


• لن تَكُف كورونا هجومها الضاري “نهائياً” على البشرية إلا بإحدى إثنتين: أن تتمكن إحدى الأبحاث الجارية الآن بإيجاد لقاح، وبسرعة، ويتم تطعيم أعداد كبيرة من البشرية به، وبسرعة كذلك، ليشكِّلوا حاجزاً بشرياً ضخماً يصُد هجمات ڤيروس كورونا الضارية..وهذا الإحتمال، ما يزالُ غير قريب، بكل أسف، والتجارب عليه ما زالت في مراحلها الأولية..
وأما الأخرى فهي الإنتظار -مع ما يجري من تحوطات- إلى أن يحدُث للناس ما يُعرف بمناعة القطيع، أي عندما يفتك الڤيروس بالناس بحُرية، ودون وازعٍ، أو ضمير حتى (يَرَضِّي نفسو) ومن يتبقى من الناس حياً، بعد ذلك، تتكوَّن لديه مناعة، كلما ضرب الڤيروس في حيطتها إرتجعت إليه هجمته كاسِفةً وهي حسيرة، فيهدأ ويكمُن أو يتلاشى !! وأما الذي يحدث الآن من إجراءات، وإحترازات، وحجورات صحية، فهي لتخفيف وطأة هجوم كورونا، ولتقليل الخسائر، (ولتأخير اللعب وكسب الوقت) حتى يحدث واحد من الحلين المذكورين أعلاه لحسمه نهائياً، وطبعاً فإن إكتشاف دواء كيميائي أيضاً متاح !!

• ما أراه، بكل أسف، وحسب الوضع المشاهد، فليس أمامنا في السودان إلا إنتظار حدوث مناعة القطيع وأسميها هنا (مناعة المُراح) !!

• الفلاحون والرعاة في أقاصي جنوب كردفان، وفي ساڤنا النيل الأزرق، وربما في كل الساڤنا الغنية في أفريقيا، وفي غابات الأمازون، وعالمياً، أحياناً يوقِّفون حريق الغابات بحريق غابات مضاد !! فالنار عندما تنضرم في الغابات وتهب عليها الرياح العاتية تكتسح كل شئٍ أمامها، لأن الحشائش الغزيرة في الغابات تغذِّيها بشدة، وتدفعها مثل نار جهنم، لا يوقفها شئ..
عندما يرى المزارعون والرعاة النار من بعيد ينظِّفون بسرعة مساحةً من الأرض محددةً ومعقولة من الحشائش والأشجار، ثم ينحصرون فيها مع عيالهم وبهائمهم وممتلكاتهم، وينتظرون النار القادمة من بعيد حتى تقترب منهم بمسافةٍ مقدَّرة، يعرفُها خبراؤهم، فيقذف خبيرهم، عندئذٍ، نحو النار المتقدمة كرةً ضخمةً من النار المشتعلة في حزمة قش يكون قد أعدها بعنايةٍ وإتقان، فتُشعل هذه الحزمة المشتعلة ناراً في الأعشاب، تندلع بسرعة، وتتجه نحو الحريق المتقدم، تدفعُها إليه التيارات الهوائية الباردة المندفعة نحو الحريق، فتوقفه، لأنها ستكون ناراً مقابل نار !!!

• هذا التكتيك الذي يستخدمه الفلاحون والرعاة لإيقاف حرائق الغابات المتجهة نحوهم هو بالضبط ما ننتظره الآن أن يحدث لأهلنا في السودان بشأن كورونا، بعدما عاندوا، وعاكسوا أنفسهم، وحكومتهم، وإمتنعوا، ورفضوا، وكسَّروا الأوامر، وتحدّوا الحظر الذي حاولت أن تفرضه عليهم الحكومة دون جدوى !!
لقد إنتهى الأمر، إذ لم يكن أمام الحكومة إلا الحظر والتباعد الإجتماعي، وقد فشلتا تماماً مع شعبِنا العزيز المعطاء !!

المؤسف أن (مناعة المُراح) لا تحدث بسرعة..بل هي عملية بيولوجية بطيئة، ومتمهِّلة، (وتمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحِلُ)، يُتاح خلالها للڤيروس زمناً كافياً يمتد لشهور يُعمِلُ فيها أسيافه وحِرابه في الناس لا يردعُه رادع..وفي الغالب، وما لم يغيِّر أهلُنا من سلوكياتهم، سيجد هذا الڤيروس فيهم، لا سمح الله، أناساً جُلداً عند المكاره، عنيدين، شرسين وراكبين راس، وهو أيضاً سيركب راس، وستكون الحرب بين الإثنين حديداً يلاقي حديد !!

لقد قال د. أكرم التوم للناس، في لحظة قنوط، إننا لا نملك شيئاً نقدّمه لكم غير الدِّرِبات والبندول والأكسجين، وعلاجُكم أن تسمعوا الكلام وتلتزموا بالحظر، وكان مُحقاً، والذي نخشى أنه يحدث الآن، أنه لا الدِّرِبات، ولا البندول، ولا الأكسجين لم تعُد متوفِّرة، لأنه، وببساطة، لقد خرجت وتخرج مستشفيات كثيرة من الخدمة بسبب إصابة كوادرها، والتي لم تخرج تجاوزت سعتها الإستيعابية، وتعاني نقصاً مُريعاً في الكوادر الطبية، وحتى هذه التي تعمل أصبحت “خائفةً تترقب”، ولا تعرف متى يأتي إليها الدور في ضرب المواطنين والنظاميين لها بالحجارة، والطوب، والأسياخ !!

• في مثل هذه الأيام من العام الماضي صنع شعبُنا هذا نفسُه ثورةً عظيمةً، تغنينا لها، وتغنى معنا العالم كلُّه، ولكنه، وبعد مرور عام بالضبط، هاهو ينتكس، ويبدأ يأكلُ بنيه من الجيش الأبيض، ممن كانوا أول وقودٍ مباركٍ لتلك الثورة العظيمة، ويختار بمحض إرادته أن يقابل الكورونا وحده، دون جيشه الأبيض، متوكِّلاً على خيار مناعة القطيع، مناعة المُراح !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*