جذور العنصرية باقية ما بقيت أميركا

  • 30 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

السماني بابكر عامر

إن ما تشهده الولايات المتحدة الأميركية الآن من احتجاجات علي مقتل مواطن اسود تحت أرجل شرطي أبيض، لهو تجل بسيط وتمظهر خافت للمشاعر العنصرية التي يكنها الرجل الأبيض لكل الأجناس البشرية الأخرى خاصة السود.

لقد اقتلع السود اقتلاعاً من موطنهم الأصلي، وبدأت هذه الجريمة منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي الذي دشنه الأوربيون بتجارة بشرية واسعة النطاق، وهي: الرق والاستعباد لاإسان القارة السوداء، وتحديدا من سواحل غرب افريقيا في السنغال.

لقد جلب اتصال الاوروبيين بافريقيا في ذلك الزمن مرض الاستنزاف البشري لإنسان القارة خاصة القبائل المستضعفة. لقد ساق الأوربيون الملايين من البشر من سكان أفريقيا جنوب الصحراء Sub-Sahara Africa وباعوهم في اميركا للأثرياء ووزعوهم في جزر البحر الكاريبي لخدمة الرجل الأبيض في المزارع والبيوت والمصانع مقابل أجور زهيدة، بل بلا أجور حيث عدّ هؤلاء البشرالمساكين جزءاً من الأمتعة والحيوانات التي يمتلكها الاوروبي والامريكي.

وبفعل التوالد والعادات الأفريقية الحاثة، عليه صار السود يشكلون الآن 20 في المئة من سكان أميركا، ورغم الدستور، ونضال زعمائهم مثل مارتن لوثر كنج زعيم الحقوق المدنية، الذي استشهد وهو يدافع عن حقوق السود، فقد ظلت نظرة الرجل الأبيض المتمدن لا تتغير تجاه مواطنيه السود.

لقد أسهم الارقاء السود في نهضة أميركا الاقتصادية والعلمية والثقافية والرياضية، ولكن لا زالوا يعاملون كإنسان من الدرجة الثانية في نظر الرجل الابيض، خاصة العنصر الانجلوساكسون.

نعم لقد جاء اهلنا الافارقة السود الي اميركا وهم في القيود When they came to America, they came in chains ولكنهم أبداً لم يستسلموا لأقدارهم، بل كافحوا وناضلوا من أجل الحرية والانعتاق والمساواة، ودفعوا ثمن ذلك دماً ودموعاً، ولكنهم الي الان يعانون التمييز والتفرقة والعسف، ويقتلون بدم بارد كما حدث للسيد جورج قبل ثلاثة أيام.

وقد رأينا ذلك في فيديو صادم يفضح عنصرية الرجل الأبيض الذي طل يخفيها دائماً في عقله الباطن رغم التقدم المادي، وانتشار ثقافة حقوق الإنسان في العالم. لماذا يحدث ذلك لأناس قدموا لأميركا الكثير، وقطعوا من جذورهم وأهلهم الاصليين، ولكن رغم ذلك أثروا الحياة الأميركية A proud panorama of a people who enriched American culture and life.

إن المشاعر العنصرية موجودة في كل مكان، وإن الرق ممارسة زاولها البشر منذ أقدم العصور تجاه اإخوتهم من بني الإنسان بغض النظر عن لونهم، ولنا في قصة بيع سيدنا يوسف النبي عظة وعبرة، ولكن الاستهانة والهوان التي ميزت استرقاق الانسان الأسود هي المؤلمة علي مدي التاريخ الإنساني.

لقد سادت ثقافة حتي في التعاليم الدينية في اليهودية والمسيحية بأن الجنس الأسود، الذي ينحدر من حام ابن نوح عليه السلام، قد كتب الله عليه أن يكون عبداً لبني البشر الآخرين؛ لأنه قد أصابته لعنة جعلت بشرته سوداء لعقوق حام لأبيه نوح، وكلها خرافات ما أنزل الله بها من سلطان، واختلاف الألوان ناتج من حكمة ارادها الله سبحانه وتعالي حسب اختلاف ومواقع البلدان ومناخاتها الطبيعية .

لقد حسبنا أن البشرية في الالفية الثالثة قد ارتقت في سلم نبذ العنصرية، والالتزام بمبدأ المساواة والإخاء بين بني البشر، وسنّت القوانين من أجل ذلك، وصار الناس مجمعين علي أن إبداء المشاعر والتصرفات العنصرية صار أمراً مستقبحاً ومستهجناً في عيون الجميع، ولكن عنصريي اميركا ما زالوا في غيهم سادرون رغم الدستور والقوانين، وها هو كبيرهم اليوم الرئيس ترمب يعلن انحيازه لبني جلدته من المعتدين ولا يستطيع لجم نزعته العنصرية ويمجد العنف ويقول When the looting starts, shooting starts.

هل بدا انفجار اميركا من داخلها رغم سياسة المرجل الصاهر The melting pot التي نادي بها الآباء المؤسسون لتجعل من الأعراق والإثنيات أمة واحدة في أميركا. لا شك أن هنالك عقلاء واستراتيجيين في أميركا يعرفون خطورة تنامي المشاعر العنصرية، وما تؤدي إليه من تفكك الدول، وذهاب ريحها، ولكن ثقافة العبودية والاسترقاق لم تزل موجودة في ـميركا تغذيها النظريات العرقية، ومظاهر التهميش الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني منه السود والملونون.

لا يخلو بلد في العالم الآن من مشكلات التعنصر للعرق والثقافة والجهة والقبيلة، ولكن العنصرية العرقية هي الأخطر. ففي بلدنا السودان، ورغم أننا كلنا سود وبدرجات متفاوتة، وثقافتنا متقاربة، ووحد بين أغلبنا الدين الإسلامي الذي يدعو إلى نبذ العنصرية؛ لان الناس كلهم لآدم وآدم من تراب، ولكن تجد بعض الجهلة، وحتي في اوساط المثقفين، من ينظر بدونية لأخيه السوداني الآخر، ويرى نفسه أنه أحسن منه عرقاً وقبيلة وثقافة، وهذا شيء مضحك؛ لان هذه الفروق والتباينات ليست جوهرية، ولا حقيقية من وجهة نظر العلم وصرامته، وان التنازع الذي يكون سببه الهوية العرقية هو مجرد وهم؛ لان العرق السوداني واحد ومتداخل، وهنالك التجانس اللوني الذي يميز كل السودانيين خاصة عندما يذهبون للعالم الخارجي والبلدان البعيدة.

ان غضبة المكون الاسود من سكان أميركا الآن ومعهم المتضامنون من البيض والملونين تدق ناقوس الخطر بقوة علها تيقظ الصفوة الأميريكية المتحكمة في قطاع الاقتصاد والإعلام خاصة اليهود وغلاة المتعصبين والمؤمنين بتفوق الجنس الأبيض، بأن الأمريكيين السود والملونين سوف لن يستكينوا في المطالبة بحقوقهم، ونبذ أي شكل من أشكال العنصرية والتمييز، وأن حلم مارتن لوثر كنج I have a dream ، لم تكتمل أركان تحققه بعد، وأن عواقب الممارسات العنصرية سوف تكون أسوأ مما تشهده مينيابولس وضواحيها هذه الايام، حتي يستقيم ميزان العدالة وتحترم كرامة الانسان The human dignity وأن أميركا لجميع الأعراق خاصة السكان الاصليين والسود والملونين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*