
تظلُّ مهنة الطب واحدة من أنبل المهن الإنسانية على وجه الأرض. كان ينبغي أن تكون مهنة إنسانية بعيدة عن الأمور المادية، لكن في زمن المادة من المؤسف أن نرى سباقاً في مجال الاستثمار في المؤسسات الصحية المختلفة.
في مختلف بلاد الدنيا، وعلى مر الأزمان، كان هنالك أطباء عباقرة لكن طواهم النسيان لمجرد رحيلهم من هذه الفانية، لكن رغم تواضع علمهم ومهارتهم خلدت في الذاكرة على مر العصور ذكرى من كانوا يسهرون على الغلابة والأطفال.
مصر المحروسة أنجبت الآلاف من عباقرة الطب تسربوا من ثقوب ذاكرة الشعب، لكن لن يغيب عن وجدان الشعب المصري الدكتور مجدي يعقوب ولو بعد ألف عام. هذا الإنسان المتواضع لم تنجب البشرية إلى اليوم شخصاً في مهارة أنامله في مجال جراحة القلب، منحته ملكة بريطانيا لقب “سير” وهو أرفع وسام يمنح للمواطن الإنجليزي.
بعد المجد الذي حققه في إنجلترا والعالم، لم ينسَ هذا الإنسان النبيل إنسان مصر؛ عاد بكل مدخراته ليبني مستشفى لجراحة القلب في أسوان لا مثيل له في الشرق الأوسط، ليشرف على تدريب وتعليم الأطباء ويقوم بتغيير صمامات القلب التالفة من الحمى الروماتيزمية لعدد كبير من أطفال مصر البسطاء. كان منظراً يدعو للدهشة أن ترى عشرات الشباب والأطفال وهم يشاركون في ماراثون بعد العملية، بينما حالت صمامات قلوبهم التالفة دون المشي لأمتار قبل العملية.

في السودان لن ينسى الناس طبيب الغلابة د. لويس عبده وعيادته في شارع الحرية، وأشك في أن ينجب السودان شخصاً كبروفيسور داود مصطفى؛ تفرغ لما يزيد على الخمسين عاماً لمرضاه وطلابه، لم يفتح عيادة ولم يتقاضَ طوال عمره مليماً من مريض. جعل الله كل ذلك في ميزان حسناتهم.
بعد أربعة عقود من الزمان في مزاولة المهنة أحسب أنني كنت طبيباً لمدة عامين فقط، هي فترة عملي لخدمة الغبش من مواطني بلادي في مستشفى الخرطوم التعليمي، أما الباقي فأحسبه مجرد موظف في مستشفيات إنجلترا وويلز وإسكتلندا والسعودية يتقاضى راتباً آخر الشهر.
رحم الله من حبب إليَّ هذه المهنة، يؤسفني أن أقول كل ما أذكره أنه كان مسيحياً، عيادته فاتحة على ميدان المولد بعطبرة، كان طيباً كما ينبغي أن يكون الطبيب. وأنا أستعد لامتحان الجامعة في عطبرة الحكومية كنت أعاني من مغص والتهابات في الكلى، دفعت أجراً متواضعاً في صالة الانتظار، ونظير هذا الأجر كان يتولى بنفسه إعطائي حقنة مضاد حيوي يومياً مجاناً من عيادته لأسبوع، ولزحمة العيادة ولأهمية الوقت عندي للمذاكرة نبهني في اليوم الأول أن أقوم بالنقر على الشباك من الخارج مرتين ليعلم بوصولي، وفور خروج المريض كان يقوم باستدعائي. رحمة الله تغشاه حياً وميتاً.

كثيرون من الزملاء تجنبوا العمل في وحدة جعفر ابن عوف لأنه كان صعباً يستحيل نيل رضاه، لكني أرى نفسي محظوظاً بعمل فترة الامتياز في وحدة الأطفال؛ كان يعدُّ أطفال الغبش من البسطاء “VIP” ولا يرضى أي تهاون في العناية بهم، كان كثير الأسفار يستقطب الدعم من المنظمات العالمية ليبني لأطفال السودان مستشفى يليق بهم، كنت شاهد عصر وهو يبني هذا الصرح طوبة طوبة، أحياناً من حر ماله؛ رحمه الله بقدر ما قدم للغلابة والبسطاء من أطفال بلادي.
بروفيسور محمد أحمد عبد الله واحد ممن نفاخر بهم الأمم. بروفيسور محمد من ريفي دنقلا بشمال السودان، تخرج في كلية طب جامعة الخرطوم، سافر إلى بريطانيا وكان من أوائل من تخصص في مجال السكر والغدد الصماء للأطفال، عمل أستاذاً في جامعة الملك سعود، وشرف له أن جل استشاريي الغدد والسكري وأساتذة الجامعة اليوم من تلاميذه، ومن تدرب تحت إشرافه، لذلك تجده محل حفاوة وتكريم أينما حلَّ. له عدد ضخم، ما يزيد على 130 من الأبحاث والأوراق العلمية المنشورة في المجلات العالمية.
عاد عام 2005م إلى السودان ليدفع ضريبة الوطن، وفي مدة لا تتجاوز الـ 15 سنة أنجز ما لا يمكن إنجازه في 100 سنة؛ بمجهود فردي وضع اللبنة الأولى للتخصص في مجال الغدد الصماء والسكري للأطفال، وبالتنسيق مع المجلس الطبي أنشأ التدريب في هذا المجال، ولله الحمد لدينا اليوم استشاريون يعملون في المدن المختلفة، ويعدُّ الأب الروحي في هذا المجال. تمكَّن بالتنسيق مع وزارة الصحة من إنشاء مراكز متخصصة في علاج سكري الأطفال في مدن السودان المختلفة.

الأنسولين لمرضى النوع الأول مسألة حياة أو موت، وفي بلد فقير مثل بلادنا كان ينبغي توفير الأنسولين بصورة مجانية، هذا بالضبط ما استطاع بروفيسور محمد أحمد أن ينجزه بالتفاهم مع الجهة المختصة بوزارة الصحة. الأنسولين يحتاج إلى ثلاجة وبلادنا تعاني من عدم توفر الكهرباء؛ هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن البروفيسور، فمن خلال تجاربه أثبت أن الأنسولين يحتفظ بفعاليته عند الاحتفاظ به في قاع الأزيار الباردة، وما أحوج مرضانا لمعرفة هذه المعلومات البسيطة.
شريحة مقدرة من المصابين بالنوع الأول من السكري يعانون من حساسية القمح؛ في بلاد الله المتقدمة الدولة توفر البدائل، وبروفيسور محمد والفريق العامل معه في مجال التغذية وجدوا البدائل من أكلاتنا السودانية التي هي في متناول الجميع. ما قدمه بروفيسور محمد في فترة وجيزة يصعب حصره هنا ويحتاج إلى مجلدات.
الجمعية السودانية لأمراض السكري والغدد الصماء وجمعية اختصاصيي الأطفال أقاموا حفل تكريم اليوم تقديراً لإسهاماته المهنية والعلمية. كنت اليوم ضمن نفر كريم لتكريم هذا الإنسان القامة لما قدمه من خدمات جليلة لأطفال وأطباء السودان، أمد الله في عمره وألبسه ثوب العافية وجعل كل ما قدمه في ميزان حسناته.