الثلاثاء - 25 رجب 1447 هـ , 13 يناير 2026 م

مقتل 27 شخصا في قصف لقوات الدعم السريع استهدف مدينة سنجه

بين أوهام “صلاح جلال” وحقائق التاريخ: قراءة في العلاقات السودانية السعودية

بين أوهام “صلاح جلال” وحقائق التاريخ: قراءة في العلاقات السودانية السعودية
المستشار. البشرى عبد الحميد

رداً على إفك “صلاح جلال”: المملكة والسودان.. استراتيجية المصالح لا أوهام المؤامرات

تفنيد تناقض “صلاح جلال”: عندما تتحول القراءة السياسية إلى محض افتراء

كتب صلاح جلال مقالًا بتاريخ 11 يناير 2026م تحت عنوان: «المملكة العربية السعودية والعلاقات الاستراتيجية مع السودان»، غير أنَّ القارئ يكتشف منذ اللحظة الأولى مفارقةً فاضحة بين العنوان والمحتوى، وضعفًا معرفيًا صارخًا يكشف جهل الكاتب بأبسط حقائق السياسة الإقليمية، وبمنهج الدولة السعودية الحديثة في ظل رؤية 2030. إذ ينطلق من تصور مختل يختزل العلاقة مع المملكة في أُطر أسرية، أو ولاءات ضيقة، أو صفقات استخباراتية، متناسيًا (أو متجاهلًا) أنَّ المملكة العربية السعودية اليوم دولة إقليمية محورية، مؤسسية، تتعامل بمنطق المصالح الاستراتيجية والسيادة الوطنية، لا بمنطق الولاءات الحزبية أو الأسرية. وهو جهل لا يقتصر على التاريخ المشترك، بل يمتدُّ إلى الآليات المعاصرة التي تُدار بها علاقات الدول، الأمر الذي يجعل المقال فاقدًا لأي قيمة سياسية أو معرفية.
إنَّ ما أورده الكاتب عن العلاقات بين السودان والمملكة لا يتجاوز كونه رأيًا مضطربًا يناقض بعضه بعضًا، قائمًا على الإيحاء والاتهام المجرد لدولة بأكملها، في محاولة لإلباس الرأي الخاطئ ثوب الحقيقة، وتحويل الافتراءات إلى “وقائع”، وقذف اتهامات ثقيلة بلا سند أو توثيق. وفي مفارقة صارخة مع عنوان مقاله، أقرَّ الكاتب بأنَّ القوى الديمقراطية السودانية، ممثلة في حزب الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي، احترمت عبر تاريخها حدود المملكة وأمنها القومي، لكنه سرعان ما قفز إلى اتهام المملكة وأجهزتها الأمنية بتأسيس ما أسماه “تيار الوسطية الإسلامية”، واستقطاب بعض قيادات حزب الأمة القومي (وذكر أسماء بعينها) زاعمًا أنَّ الهدف كان إزاحة الإمام الصادق المهدي من قيادة الحزب، ثم مضى ليضيف افتراءات أخرى عن تحالفات هلامية و”فضائح اختلاس مالي مشهودة”. وكل ذلك من سقط القول الذي لا يستند إلى دليل، ولا يستحق الاعتداد السياسي.
لقد ظلَّ حزب الأمة القومي، منذ نشأته، أحد أعمدة السياسة السودانية الأكثر وعيًا بأهمية العمق العربي، وفي مقدمة ذلك العلاقة مع المملكة العربية السعودية. ولم تكن هذه العلاقة طارئة أو انتهازية، بل تشكَّلت عبر عقود من التواصل السياسي والفكري والاحترام المتبادل، وتجسَّدت بوضوح في مواقف قياداته التاريخية، وعلى رأسهم الإمام الصادق المهدي، الذي عُرف عربيًا ودوليًا باعتداله، واستقلال قراره، وحرصه الدائم على بناء جسور التعاون لا المتاريس الوهمية. ولم يكن الإمام الصادق يومًا تابعًا، ولا باحثًا عن حماية، ولا مساومًا على سيادة السودان، بل ظلَّ رجل دولة حافظ على علاقة متوازنة ومحترمة مع المملكة وقيادتها، قامت على الندية السياسية والتقدير المتبادل، إلى أن فارق إلى الرفيق الأعلى. وأنا وجيلي شهود على ذلك خلال عقود من الزمان.
ومن يعرفون شخصية الكاتب، والمتابعون لمسيرته، يعلمون مَن هم الذين مارسوا الازدواجية في علاقاتهم مع استخبارات الدول، ومَن عرّضوا رفاقهم وأصدقاءهم لقمع الأجهزة، ومَن غادروا الحزب زاعمين إمكانية سحب الثقة من الإمام الصادق المهدي، وجمعوا التوقيعات لهذا الغرض ثم خاب فألهم. وحال الكاتب (كما يُقال)، حال مَن لم يجدوا فيك عيبًا، فكسوك من عيوبهم وعابوا.
أما “الوسطية الإسلامية” التي يهاجمها الكاتب، فهي في حقيقتها فكر الإمام الصادق المهدي نفسه، وهو قائدها في العالم الإسلامي ومرجعها حتى وفاته (عليه الرحمة والرضوان)، ونحن تلاميذ هذا النهج ونفتخر بالانتماء إليه، بوصفه فكرًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، والدين والدولة، والاعتدال والمسؤولية.
وقد حوى مقال الكاتب مزاعم خطيرة تضرب العلاقات السعودية–السودانية في مقتل، مستخدمًا عبارات من قبيل “استقطاب عبر المخابرات”، و”أموال دُفعت”، و”فضائح كبرى”، ثم لا يلبث أن يقع في تناقض فاضح، حين يستدعي المملكة نفسها (التي وجّه لها كل هذه الاتهامات) بوصفها “الراعي القادر على جمع أهل السودان في مؤتمر جامع”. فهل هي، بحسب منطقه، دولة تتآمر وتخترق، أم دولة حكيمة يُعوَّل عليها في حل الأزمات؟ هذا التناقض وحده كافٍ لكشف هشاشة الرأي وضعف المنطق. ثم أليس الذين يطلب الكاتب من المملكة دعوتهم للحوار هم ذات الجماعات المصطفة الآن خلف أعداء الدولة السودانية، والعاملة ضدها وضد المملكة؟! وفي تمايز واضح مع توجهات الدولة السعودية التي بادرت منذ اللحظة الأولى للسعي إلى حل أزمة السودان؟
لقد حاول الكاتب اختزال علاقة استراتيجية ممتدة ومتجذرة أنا وجيلي شهود عليها خلال عقود من الزمان، في مجرد “مؤامرات استخباراتية”، في تشويه متعمد للواقع. يا هداك الله، العلاقة بين السودان والمملكة قائمة على مصالح اقتصادية متبادلة، وتعاون إقليمي، وأدوار سياسية معروفة في ملفات السلام والاستقرار. إن تحويل كل هذا التاريخ إلى رواية “اختراق وتلاعب” بلا دليل، ليس سوى تسطيح دعائي يسيء للدولتين الشقيقتين معًا ويعرّي جهل القائلين.
وفي ميزان الأخلاق والمعرفة، لا وزن لقول بلا علم. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، ويقول النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع». فالوطن الجريح لا يحتمل هذا النوع من الكتابات المضللة، بل يحتاج إلى خطاب مسؤول قائم على الوقائع لا الإيحاءات، وعلى الأدلة لا الشبهات، وعلى المنهجية لا الانفعال.
إنَّ المملكة العربية السعودية دولة محورية ولاعب إقليمي مؤثر، وصوت مسموع عربيًا ودوليًا. وتحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبرؤية سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، انتقلت السياسة السعودية من الدور التقليدي إلى دور الرؤية، ومن ردود الأفعال إلى صناعة الفعل. وقد أولت المملكة ملف الحرب في السودان وضرورة إحلال السلام اهتمامًا خاصًا، لا باعتباره نزاعًا يهدد دولة عربية وشعبًا شقيقًا فحسب، بل لأنَّه جرح عربي وإنساني يلامس ضمير كل من يعرف قيمة السودان وتاريخه، وهذا ما أكده ولي العهد السعودي في حديثه المشهود مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وعليه، فإنَّ الدور السعودي في القضية السودانية ليس موقفًا عابرًا، بل مسارًا مستمرًا قائمًا على رؤية واضحة ومسؤولية أخلاقية وسياسية. ويمكن القول بثقة إنَّ البوابة التي يمكن أن يعبر منها السودان نحو السلام والاستقرار قد فُتحت بالفعل من أرض الحرمين، وستصيب الهدف بإذن الله، شريطة توفر الإرادة الوطنية السودانية القادرة على استثمار هذه الفرصة بجدية ووضوح.
ولهذا نقول للكاتب وأمثاله: كفّوا عن التخريب والإساءة للعلاقات الاستراتيجية بين الدولتين، فسلام السودان لا يُبنى على الإفك ولا على تشويه الأشقاء، بل على احترام الحقائق، وصون التاريخ، وتغليب العقل والمسؤولية الوطنية.
ليس من عادتي الرد أو التعليق على كتابات الآخرين مهما بلغت إساءاتهم لشخصي أو للآخرين، إلا أنَّ ما دفعني إلى كسر هذه القاعدة هو أن الأمر يتعلق بقضية وطنية كبرى، ينبغي تناولها بمسؤولية وقراءة واعية، لا بانطباعات شخصية عابرة، واستسهال في موطن الجد، يترتب عليه نتائج سلبية.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور