على ماذا تتغذى الوحوش الثلاثة …؟ أمريكا.. روسيا .. الصين  … الجزء 3 التنين الصيني …البحث عن الأسواق ..!

على ماذا تتغذى الوحوش الثلاثة …؟ أمريكا.. روسيا .. الصين  … الجزء 3 التنين الصيني …البحث عن الأسواق ..!
  • 18 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

حيدر التوم خليفة

في الجزئين السابقين من هذا المقال، تحدثنا عن أمريكا، ومحركها الرئيسي وهو النفط، ثم عن الذهب ودوره في تشكيل سياسة روسيا الخارجية، وسوف نتحدث في هذا الجزء الثالث والأخير، عن الصين، ورئتها التي تتنفس بها، وهي الأسواق الخارجية ..
تساهم أمريكا والصين لوحدهما بما نسبته 40٪ من الناتج الإجمالي العالمي (قيمة مجموع النشاط الاقتصادي لدول العالم) ..
ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي (قيمة مجموع النشاط الاقتصادي للدولة) حوالي 30 تريليون دولار كأكبر اقتصاد في العالم، بينما يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين ما يزيد قليلاً عن 18 تريليون دولار ..
ولكن من ناحية أخرى، ووفقاً لبيانات البنك الدولي فإن اقتصاد الصين يعادل 1.27 ضعف اقتصاد الولايات المتحدة على أساس تعادل القوة الشرائية، مع ملاحظة أن متوسط دخل الفرد (مجموع الناتج المحلي الإجمالي مقسوماً على عدد السكان) يبلغ في أمريكا حوالي 89 ألف دولار، وفي الصين 14 ألف دولار على أساس سنوي …
ومن ناحية التصنيع فما زالت الصين تتربع على عرش القيمة المضافة للصناعات التحويلية، علماً بأن القطاع الصناعي الصيني يتمدد بين المنتجات الصناعية الصغيرة حتى صناعات السفن والطائرات والآلات الثقيلة ومنتجات التكنولوجيا، بنسبة نمو متسارعة في الكم والجودة ..
أي أنه من ناحية إنتاج صناعي تعتبر الصين في صدارة دول العالم، ففي عام 2024 ساهم قطاع التصنيع الأمريكي بحوالي 9.9٪ من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا (2.94 تريليون دولار)، بينما نجد أن نسبة مساهمة قطاع التصنيع الصيني في الناتج المحلي الإجمالي للصين ارتفعت إلى 36.5٪، مما أبرز الصين كدولة صناعية كبرى، تتربع على عرش الصناعة العالمية لمدة 15 عاماً متتالية، بنسبة تصل إلى 30٪ من القيمة المضافة للصناعات التحويلية العالمية ..
ووفقاً لبيانات الجمارك الصينية، ارتفع الفائض التجاري الصيني (زيادة قيمة الصادرات على الواردات) إلى مستوى غير مسبوق بلغ 992 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 21٪ عن العام 2023. وبصورة إجمالية، سجلت التجارة الخارجية الصينية نمواً بنسبة 5٪ عام 2024 بالمقارنة مع العام الذي سبقه، محققة مستوى قياسياً قدره حوالي 6 تريليونات دولار، وفق “سي سي تي في” (تلفزيون الصين المركزي).
وتعتبر أمريكا، الاتحاد الأوروبي، هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، اليابان، روسيا، الهند، ودول الإسيان، أكبر الشركاء الاقتصاديين للصين، وتحتل أمريكا مركز الصدارة في ذلك، إذ يميل الميزان التجاري لصالح الصين بدرجة كبيرة، وهو الأمر الذي دعا ترامب إلى الحد من صادرات الصين لأمريكا، برفع الرسوم الجمركية لمعظم السلع الصينية بنسب متفاوتة، وإلغاء أي وضع تفضيلي أو حماية لسلع أخرى أو استعمال سلاح العقوبات ..
هذا إضافة إلى التهديدات التي بدأت تصدر عن الاتحاد الأوروبي ضد الصادرات الصينية حماية للشركات الأوروبية، إضافة إلى صعود الهند كقوة منتجة، والنمو المتسارع لدول شرق آسيا الصاعدة تصنيعياً مثل فيتنام ..
هذا الوضع دفع الصين إلى الانتباه إلى المخاطر التي سيواجهها اقتصادها في المدى المنظور والمتوسط، إذ أنها جميعاً تعني تهديداً وجودياً مؤكداً لأسواقها، إما برفع الأسعار نتيجة لرفع الرسوم الجمركية، مما يؤثر على ميزتها التنافسية المتمثلة في الأسعار المنخفضة، أو نتيجة لفقدان جزء من حصتها نتيجة لدخول منافسين جدد كالهند والفلبين كما ذكرت ..
وهذا الوضع الجديد دعاها إلى مضاعفة جهودها والسعي الحثيث لفتح أسواق جديدة، خاصة في الدول النامية، وتوقيع شراكات اقتصادية مع العديد من هذه الدول، يشمل بعضها توفير قروض حكومية صينية لها، تستخدم في تمويل شراء المنتجات الصينية حصراً، وهو أمر تهدف الصين منه إلى تحقيق عدة أمور أهمها ..
… فتح أسواق جديدة لا يشاركها أحد فيها، لأنها هي التي وفرت أموال استيراد السلع عبر القروض الصينية ..
… ضمان تصريف منتجاتها الفائضة، واتباع سياسة الإغراق وطرد أي سلع منافسة من الدول الأخرى ..
… ربط هذه الدول تجارياً بالاقتصاد الصيني ..
… تنشيط قطاع البنوك ومؤسسات الإقراض الحكومية ..
إن أمريكا تدرك تماماً أنها غير واثقة من هزيمة الصين عسكرياً، لأنها تجهل حقيقة وخفايا القوى والقدرات العسكرية الصينية، لهذا لن تغامر بدخول مسرح لا تعرف كيف تخرج منه، كما تعلم أنها لا تستطيع هزيمة الصين اقتصادياً لميل الميزة السعرية لصالح الصين، خاصة بعد أن أدت التكنولوجيا المتقدمة واستعمال الروبوتات في عمليات التصنيع، إلى رفع جودة السلع الصينية مع جمال تصميمها ..
لهذا عمدت إلى محاربة الصين عبر محاولاتها المتسارعة لإعاقة وصول النفط إليها، وهذا ما عمدت إليه باحتلال فنزويلا، أو سعيها إلى تدمير إيران والاستيلاء على نفطها، أو إخراجه من دائرة الإنتاج، خاصة وأنه يصل الصين بأسعار مخفضة، وهو نفس الشيء الذي حدث مع النفط الفنزويلي، والذي يتم بيعه للصين باليوان، وتوجه كل عائداته إلى شراء احتياجات فنزويلا من الصين حصراً ..
وهذا يوضح كيف استفادت الصين من العقوبات التي فرضت على إيران وفنزويلا، إذ حصلت من إيران على نفط منخفض السعر، ومن فنزويلا على نفط بعملتها، والتي يتم تدويرها داخل الاقتصاد الصيني ..
إن الصين عبارة عن وحش اقتصادي نهم للأسواق، لأنها تمثل الرئة التي تتنفس بها، لهذا فهي تقاتل في صمت، ولكن بشراسة ليس للحصول على حصتها من هذه الأسواق فقط، وإنما لطرد المنافسين منها، وأهم أدواتها هي سياسة الإغراق وحرب الأسعار …
لهذا فالصين بلا أسواق، جسد بلا دماء ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*