سوق الفضائح””حين تتحوّل أعراض الناس إلى محتوى””

سوق الفضائح””حين تتحوّل أعراض الناس إلى محتوى””
  • 25 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

مشاهدات- عمر المونه

الأسافير ذلك العالم الصغير، الذي صار أكبر من الحقيقة، وأقسى من الواقع. ينتشر فيه الخبر أسرع من النار في الهشيم، بلا تحقق، بلا ضمير، وبلا حدٍّ أدنى من الأخلاق. وما سُمِّي زورًا بمواقع التواصل الاجتماعي ليس – في كثير من حالاته – سوى منصات للتلاهي والتباهي، والتشهير بالناس، والعبث بسمعتهم، وكأن أعراض البشر مادة ترفيه رخيصة.
تحوّل هذا الفضاء إلى سوق مفتوح للفضائح، حيث يُكافأ الكاذب بالانتشار، ويُصفَّق للوقاحة، ويُرمى صاحب العقل بتهمة التعقيد. لم يعد المهم صدق الخبر، بل سرعة نشره، ولم تعد القيم معيارًا، بل عدد الإعجابات والمشاهدات. هكذا صارت الأخلاق عبئًا، والستر سذاجة، والصمت جريمة لا تُغتفر.
ومن يصنع التفاهات ويمجّد القاذورات؟
نحن… نعم نحن.
بمشاهداتنا، ومتابعتنا، وتعليقاتنا، وإعادة نشرنا للمحتوى الهابط أخلاقيًا، نصنع من التافهين نجومًا، ونمنح الرداءة شرعية الوجود. نحن الوقود الذي تعيش عليه هذه التفاهة، ونحن الجمهور الذي يصفّق ثم يتذمّر من رداءة العرض.
في الأسافير، يتباهى البعض بما لا يملكون، ويستعرضون حياة مصطنعة، فيما يتغذّى آخرون على سقوط الناس، ينهشون سمعتهم تحت لافتة “الرأي” و“حرية التعبير”. حرية بلا مسؤولية، ورأي بلا معرفة، وكلمة بلا خوف من حساب.
لقد أفسدت هذه المنصات السمع والبصر، وخدشت الحياء العام، ودرّبت أجيالًا على القسوة، والشماتة، والتلذذ بأخطاء الآخرين. ومع كل منشور مسموم، نفقد جزءًا من إنسانيتنا، ونعتاد القبح حتى نظنه طبيعيًا.
لسنا ضحايا هذا الانحطاط كما نزعم، بل شركاء فيه.
نحن من صنعنا التفاهة، وروّجنا للقبح، ومنحنا الرداءة منصات ونجومية.
وبقدر ما نواصل المشاهدة والتفاعل، نواصل هدم ذائقتنا وأخلاقنا بأيدينا.
فإما أن نقاطع القبح… أو نعترف أننا جزءٌ منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*