الذكرى الـ 22 لرحيل البروفيسور أبو سليم.. خواطر وحقائق(1- 2)

الذكرى الـ 22 لرحيل البروفيسور أبو سليم.. خواطر وحقائق(1- 2)
  • 09 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

محمد خليل كارا

يا خالي شقيق أمي.. سلام الله ورحمته عليكما في عليائكما..
اليوم السابع من فبراير 2026 تحل الذكرى الـ 22 لارتقائك إلى كنف الرحيم الرحمن.. نسأل الله أن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة ويحشرك في زمرة الصالحين يوم الحشر العظيم ويكرمك في جنات النعيم..

البروفيسور أبو سليم


ورغم أن في الخاطر كثيراً مما يمكن سبكه وسكبه في سيرتك البهية، فإنني أستميحك في عليائك وأستسمح قرائي عذراً وإذناً، لأكرر شذرات مما سبق أن نشرت في ذكرك، وخصوصاً قصة الربكة التي “جهجهتني” وأنا أحظى برؤيتك لأول مرة! قبل أن أسرد في مقال تالٍ تفصيلاً، إنجازاتك العلمية المبهرة التي سجلت بها اسمك في التاريخ بأحرف من نور..
………..
موشى بسميق أقوق (قول بسم الله..)
لا والله مش ممكن..
يا ابني اسمع الكلام
لا والله مش ممكن
خلاص على كيفك.. اركب محل ما يعجبك..
.. وتتحكر – أيها القروي الساذج – في المقعد الخلفي في السيارة (طراز الموسكوفيتش)، لتنطلق بكما إلى نادي أبناء السكوت في السجانة..
السائق هو أبو سليم (تخيّل).. وأنت (متفنجخ) في المقعد الخلفي الوثير.. يحاول أن يتجاذب معك أطراف الحديث.. يسألك عن أخبارك وأخبار دراستك… وأخبار أمك وأخواتك في البلد، فتجيب بجمل (تلغرافية):
والله كويس.. الحمد لله… آآي.. لأ..
… كنت يومذاك وصلت للتو من محطة القطار، ودلك من دلك، إلى منزل خالك (الدكتور) في الخرطوم شرق (قرب السفارة النيجيرية).. صادف وصولك إلى المنزل الحكومي (بل القصر)، عودته – رحمه الله – من العمل.. فاحتضنك هاشاً باشاً محتفياً بك..
(أهووووو موشى دايان هنا يا مرحبا يا مرحبا)..
كان – عليه شآبيب الرحمة – يناديك موشى دايان مقتبساً (اسم الدلع) الذي أطلقته عليك أمك (ميموشي)،.. وكان لموشى دايان وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك (شنة ورنة)…
وقبل أن (تغير هدومك) نادى بك لتجلس إلى جانبه على (سفرة) الغداء.. وبينما كنت تتهيأ لتنهض من مكانك متصنعاً الشبع قبل أن تشبع (عملاً بنصائح حبوبتك يو أريا في البلد: أكل أكل الجمال وقوم قبل الرجال – وتلك قصة أخرى – )..، سألك عما إذا ما كنت راغباً في أن تصحبه إلى النادي بعد ساعة أو نحوها، ريثما يرتاح قليلاً..
طوال الطريق من الخرطوم شرق إلى السجانة لم تكن منشغلاً، وأنت الصبي الغر، ببهرج (الخرطوم بالليل).. أيام زمان.. بل كنت غارقاً في تأملات مربكة: ها هو ذا إذن خالك (الدكتور) الذي طالما (هرتك) أمك بسيرته منذ كنت طفلاً طري العود.. بل رضيعاً (تلوليك) به.. (إن شاء الله يا ولدي تكبر تبقى لي زي خالك الدكتور).. (سبحان الله قالوا الولد خال.. خالك الدكتور برضو وهو صغير كان كده).. (والله لو عملتوا كده أخلي ليكم البيت ده وأسافر الخرطوم وأعيش مع أخوي الدكتور).. (خالك الدكتور قال.. خالك الدكتور سوى.. خالك الدكتور… خالك الدكتور… الخ).
وتعود لتناجي نفسك: ها أنت ذا، لأول مرة، أمام خالك الدكتور بشحمه ولحمه.. ليس ذلك فحسب… بل ها أنت ذا – أيها الصرصور – ترافقه لوحدك في مشوار قبل أن تمر ساعات على أول لقاء لك به.. وها هو ذا يعيد الكرة ليسألك عن أحوالك ودراستك وأمك وأخواتك.. فاحمد الله.. وتأدب وتهذب.. اخفض صوتك.. ولا تتجرأ حتى لتنظر إليه.. وحسناً فعلت عندما رفضت بإصرار الجلوس إلى جانبه في السيارة..
وتفيق من حديثك مع نفسك عندما تقف السيارة أمام نادي السكوت في السجانة.. وتجد رهطاً من المستقبلين وهم يحملقون فيك وقد ألجمتهم الدهشة!!.. يترجل خالك الدكتور من السيارة وينشغل بالسلام على هذا وبمداعبة ذاك.. وتنزل – سعادتك – بهدوء من مقعدك الخلفي متهيئاً للسلام على الناس المحتفين بمقدم الدكتور، بل متهيئاً لسلام الناس عليك بالأحضان وأنت الضيف القادم لتوك إلى الخرطوم..
وقبل أن تمد يدك للسلام عليهم، يطبق عليك شخصان من أقرب أقربائك، تعرفهما جيداً، ويشدانك بعنف وينتحيان بك جانباً.. ولدهشتك، لا يسألانك عن حالك ومتى قدمت، بل يفاجئك أحدهما ليسألك بـ(نهرة):
أنت عبيط؟!
أنا؟
أمال أنا؟ أيوا أنت..
وينتابك مزيج من الخوف والدهشة والارتباك لهنيهة، قبل أن تعرف سبب هذا “الترحيب الفاحش” (استخدمت هذا التعبير عن قصد وسأحكي مِلحة ذات صلة بعد حين)..
أنت قاعد ورا، عامل (الخال) سواق ليك؟!
أمال أقعد وين؟
تقعد جنبو قدام..
أنا منو عشان أقعد جنب الدكتور؟ أنا ما صدقت ركبت معاهو.. كمان أقعد جنبو؟
وتلجمك أنت الدهشة عندما تجد قريبيك (الشرسين)، وما عهدتهما كذلك من قبل، يغرقان في الضحك… قبل أن يفهماك – أيها الغشيم – أنك ارتكبت كبيرة من الكبائر في فن التعامل المدني، في غمرة اهتمامك بإظهار الاحترام اللائق للخال الدكتور الذي جعلت منه من حيث لا تدري (عم عبده السواق) – حسبما عرفت لاحقاً من خلال الصورة النمطية في السينما المصرية لسواق البيه –
.. وكان هذا أول درس في (الإتيكيت) يتلقاه صبي غر قادم لتوه من القرية، في أول يوم له في العاصمة.
………………………. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*