تثير وقائع محاكمة الناشط منيب عبدالعزيز في مدينة دنقلا تساؤلات جوهرية حول فلسفة العدالة في السودان ومدى التزام السلطات القضائية والأمنية بالمعايير الإنسانية والقانونية التي تليق بدولة المؤسسات. إن مشهد ظهور ناشط مدني داخل قاعة المحكمة وهو يرسف في أغلاله يمثل سقطة أخلاقية وقانونية تتجاوز شخص المتهم لتصيب هيبة القضاء في مقتل، إذ أن التقييد بالأغلال في القضايا المتعلقة بحرية التعبير والنشاط السياسي لا يمكن فهمه إلا في سياق الرغبة في الإذلال النفسي والتحطيم المعنوي، خاصة وأن طبيعة التهم المتبقية بعد شطب مواد تقويض النظام تؤكد انتفاء أي مبرر أمني يخشى معه هرب المتهم أو ممارسته للعنف.
إن إصرار الجهات المختصة على ممارسة هذا النوع من التعسف رغم غياب الخطورة الجنائية يعكس استمرارية لعقلية التنكيل بخصوم الرأي واستخدام أدوات الدولة لتوجيه رسائل ترهيبية للمجتمع، وهو ما يتناقض جذرياً مع أبسط قواعد المحاكمة العادلة التي تفترض في المتهم البراءة والكرامة الإنسانية حتى تثبت إدانته. كما أن إرجاء البت في طلب الضمانة يزيد من وطأة المعاناة ويؤكد الشكوك حول طبيعة المحاكمة كأداة للضغط السياسي أكثر منها سعياً وراء تحقيق العدالة، فمن غير المنطقي قانوناً أن يتم التعامل مع خطاب جماهيري في مناسبة وطنية كذكرى ثورة ديسمبر بهذه القسوة الإجرائية التي تتجاهل روح القانون وتتمسك بالقشور القمعية.
تظل هذه الإجراءات، بما تحمله من قصد واضح للإهانة، وصمة في جبين المنظومة العدلية التي يفترض بها أن تكون حارسة للحريات لا أداة لتقييدها، ومما يبعث على القلق هو تحويل منصات القضاء إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية عبر بوابة قانون المعلوماتية والقانون الجنائي في قضايا هي بالأساس قضايا رأي عام. إن ما حدث في محكمة دنقلا لا يمثل انتهاكاً لحقوق منيب عبد العزيز فحسب، بل هو تراجع صريح عن قيم الحقوق والواجبات التي نادت بها ثورة ديسمبر، مما يستوجب وقفة جادة من كافة القوى الحقوقية والقانونية للتصدي لهذا الانزلاق نحو ممارسات القرون الوسطى في إدارة الخلافات السياسية تحت غطاء القانون.