الدِّينُ الفنٌّ والأخلاقُ… منظومةُ الحياةِ المتماسكة وطوقُ نجاةِ العقلِ والرُّوحِ والجسد
▪️ الحياةُ ليست فوضى تتناثر عناصرُها في الفراغ، ولا مسيرًا أعمى بلا ميزان؛ بل هي بناءٌ محكمٌ يقوم على سننٍ دقيقة، وناموسٍ كونيٍّ بالغِ الإتقان. في قلب هذا البناء تتعانق ثلاثةُ أعمدةٍ كبرى.. الدِّين، والفن، والأخلاق. ليست هذه الثلاثيةُ مجرّدَ عناوين ثقافية أو مفاهيم منفصلة، بل هي شبكةٌ حيّةٌ متداخلة، يمدُّ بعضُها بعضًا بالقوّة والمعنى والاتجاه. وإذا اختلَّ ضلعٌ منها اضطرب الإيقاعُ في داخل الإنسان، واهتزّ توازنُ المجتمع.
▪️الناموسُ الكونيُّ الذي أبدعه الله قائمٌ على الإيقاع؛ فإيقاعُ الكون هو موسيقى الوجود الكبرى. تعاقبُ الليل والنهار إيقاع، ودورةُ الفصول إيقاع، ونبضُ القلب إيقاع، ومدُّ البحر وجزرُه إيقاع. الذرّةُ في دورانها حول نواتها صورةٌ مصغّرةٌ من دوران الكواكب في أفلاكها. كلُّ حركةٍ في هذا الكون منسوجةٌ على قانونٍ موزون، كأنّ الوجودَ كلَّه سيمفونيةٌ كبرى تتآلفُ فيها الأصواتُ والذبذباتُ والسرعاتُ في انسجامٍ عجيب. هذا الإيقاع ليس زينةً شكلية، بل هو شرطُ الحياة. لو اختلَّت سرعةُ دوران الأرض أو تبدّل نظامُ الفصول، لانفرط عقدُ التوازن.
▪️ الموسيقى هنا ليست ألحانًا تُسمَع، بل نظامًا يُحافَظ عليه. من هذا المنطلق يصبح الفنُّ استجابةً إنسانيةً واعيةً لإيقاع الكون؛ فالفنانُ يلتقطُ النغمةَ الخفيّة في الوجود، ويعيدُ صياغتَها لونًا أو قصيدةً أو لحنًا أو مشهدًا.
واللغةُ ذاتُها ابنةُ الوزن والإيقاع. الشعرُ العربيّ منذ الجاهلية بُني على بحورٍ وأوزانٍ تضبط المعنى وتمنحه قدرةً على الترسّخ في الذاكرة. النثرُ البليغُ لا يخلو من موسيقى داخلية، من توازنٍ في الجمل، ومن تناسقٍ في الأصوات.
▪️الكلمةُ الموزونةُ تنفذ إلى القلب أسرع من العبارة المفكّكة، لأنّ النفس البشرية مجبولةٌ على حبّ الانسجام. النصوصُ المقدسةُ جاءت في أرقى صور البيان، تحملُ جرسًا خاصًا، وتنسابُ ألفاظُها في نسقٍ يأسر السمعَ قبل العقل. تلاوةُ القرآن ليست قراءةً معلوماتية، بل تراتيلُ مموسقة، يتردّد فيها المدُّ والقصرُ، والوقفُ والوصلُ، فيحصلُ التأثيرُ المركّب ، معنى يهدي، وصوتٌ يرقّق، وإيقاعٌ يطمئن. الكلمةُ المقدسةُ لا تخاطبُ الذهنَ وحده، بل تطرقُ أبوابَ الروح.
والدِّينُ جمالُ المعنى قبل جمالِ الصورة. هو في جوهره نظامٌ أخلاقيٌّ رفيع، يُنظّم علاقةَ الإنسان بربّه، وبنفسه، وبالناس، وبالكون. هو تشريعٌ يهذّبُ الغرائز، ويمنحُ السلوكَ معيارًا، ويقيمُ ميزانَ العدل. غير أنّ هذا النظام الأخلاقي لا يُقدَّم في صورة جافة، بل يُغلف بجمالٍ تعبّديّ، صلاةٌ بحركاتٍ منسجمة، صومٌ يرقّي الإرادة، زكاةٌ تُزكّي النفس، حجٌّ في مشهدٍ مهيبٍ تتوحّد فيه الأجسادُ والقلوب. في الإسلام تتجلّى هذه المنظومة بوضوح، وسيرةُ الرسول الكريم سيدنا محمد تقدّم نموذجًا فريدًا يجمع بين العبادة والجمال الخُلقيّ؛ فقد وصفه القرآن بأنّه على خُلُقٍ عظيم، وجعل من أخلاقه تطبيقًا حيًّا للوحي. الدين هنا ليس طقوسًا معزولة، بل أخلاقًا تمشي على الأرض.
▪️أمّا الفنُّ فهو تهذيبُ الحسّ وترقيةُ الذوق. ليس ترفًا ولا عبثًا، بل وسيلةٌ لتهذيب الحسّ، وتوسيع المدارك، وتعميق التعاطف. اللوحةُ الجميلةُ تُدرّب العين على التقاط التناسق، والقصيدةُ الرفيعةُ تُدرّب الأذن على سماع النغمة، والمسرحُ الصادقُ يُدرّب القلب على فهم الإنسان. الفنُّ يوقظُ فينا القدرةَ على التأمّل، ويُبعدنا عن القسوة والبلادة. انفصالُ الفنِّ عن الأخلاق يحوّله إلى أداةِ إثارةٍ رخيصة، أو صناعةِ وهمٍ فارغ. وإقصاؤه باسم التديّن يذبل الحسّ، ويجفّ الخيال، ويتحوّل الخطابُ إلى وعظٍ ثقيل. التكامل هو السبيل، دينٌ يمنح الفنَّ المعنى، وفنٌّ يمنح الدينَ التعبيرَ الحيّ.
▪️والأخلاقُ هي الميزانُ الذي يضبط الإيقاع. تمثّل الميزانَ الداخلي الذي يضبطُ حركةَ الإنسان. الشجاعةُ، والصدقُ، والرحمةُ، والأمانةُ ليست شعاراتٍ، بل قوى تنظّم السلوك. الدِّينُ يؤسّس لهذه القيم ويمنحها مرجعيةً عليا، والفنُّ يجسّدها في صورٍ حيّة تجعلها محسوسةً ومؤثرة. قصّةٌ أخلاقيةٌ في روايةٍ قد تغيّر قارئًا، ومشهدٌ إنسانيٌّ في فيلمٍ قد يوقظ ضميرًا، وخطبةٌ بليغةٌ قد تُعيد ترتيب القيم في النفس. التداخل هنا عميق، الأخلاقُ مضمون، والدينُ مرجعية، والفنُّ وسيلةُ تجسيدٍ وتوصيل.
وعبر التاريخ ازدهرت الحضاراتُ التي فهمت هذا التداخل؛ ففي الأندلس تلاقى الفقهُ مع الشعر، والعمرانُ مع الروحانية، فانبثقت عمارةٌ تمزج بين الوظيفة والجمال، وموسيقى تُهذّب الذوق، وأدبٌ يحمل قيمًا رفيعة. وفي أعمال جلال الدين الرومي تجلّى الدينُ في لغةٍ شعريةٍ ملتهبة، فصارت القصيدةُ ذكرًا، وصار الذكرُ فنًّا. هذا التداخل لا يعني ذوبان الحدود، بل يعني تكامل الأدوار؛ الدينُ يرسم الغاية، والأخلاقُ تضبط المسار، والفنُّ يجمّل الطريق ويجعله قابلًا للعيش.
▪️الإنسانُ كائنٌ مركّب ، عقلٌ يبحث عن المعنى، وروحٌ تتوق إلى السكينة، وجسدٌ يحتاج إلى التوازن. هذه هي منظومةُ النجاة. الدينُ يمنح العقلَ رؤيةً كليّةً للوجود، ويمنح الروحَ طمأنينةَ الانتماء إلى خالقٍ حكيم. الأخلاقُ تنظّم العلاقات وتحفظ الكرامة. الفنُّ يملأ الفراغَ بالجمال، ويصون الحسّ من القسوة. مجتمعٌ تُفصل فيه هذه العناصرُ عن بعضها يتعرّض للانشطار ، تدينٌ بلا ذوقٍ يُنتج تشدّدًا، وفنٌّ بلا قيمٍ يُنتج عبثًا، وأخلاقٌ بلا مرجعيةٍ تُصبح نسبيةً متقلّبة. أمّا اجتماعُها في منظومةٍ واحدة فيصنع إنسانًا متوازنًا، قادرًا على الإبداع دون أن يفقد بوصلته، وعلى الالتزام دون أن يجفّ وجدانه.
▪️االدينُ، الفنٌّ والأخلاقُ ليست خطوطًا متوازيةً لا تلتقي، بل أنهارٌ تصبّ في بحرٍ واحد ، بحرِ المعنى. في ذلك البحر يجد العقلُ ضالّتَه، وتجد الروحُ سكينتَها، ويجد الجسدُ نظامَه. هناك يتجلّى إيقاعُ الحياة في أجمل صوره ، إيقاعٌ موزونٌ، متناغمٌ، يحمل الإنسانَ من ضيق الفوضى إلى سعة الانسجام.


