عمّار عبدالوهاب موسى وداعاً يا صاحب
وتناقلوا الخبرَ الأليم على بريدِ الشمسِ في كل المدينة. بل في كلِ المدن، وعبر الهواتف، والوسائط. وكيف لا؟ فالذي غافلنا، ورحلَ هذه المرّة كان عماراً بالفضيلة. وما أدراك ما عمار بن عبد الوهاب بن موسى.
تزاملنا أيام الطلب في المرحلة الثانوية بمدرسة الخرطوم الجديدة. جمعتنا ذات الفصول في تلك المدرسة العتيدة، أيام الصبا الفارعة، واكتشاف الحياة. كان أجملنا، وأنبلنا، وأطولنا. ويقيناً كان أرسمنا، وإن أتى الأمر للرسم فعمار كان من أبرع الرسامين على الإطلاق. امتلك تلك الأنامل المبدعة، القادرة على تحويل أي شيء للوحة، وأي لوحة لقطعة أدبية. كان خفيض الصوت، جم الأدب، وخفيف الظل.
زلزلنا رحيل الصحاب، ولا أدل على ذلك من طوفان التعازي الهادر على الوسائط منذ أن سرى خبر مغادرته لهذه الفانية. كتب الكاتبون – ونكتب نحن – ففي الكتابة بعض عزاء. والحزن يصير أكثر احتمالاً إن تشاركه الناس. عمار من أولئك القلائل الذين تُجمِعُ الأمَّة على محبتهم، من أين يا ترى يأتي هؤلاء بالقدرة على التماسك؟! خصوصاً من لم يعلموا بتدهور صحته في الشهور الفائتة.
كان عمار مسكوناً بعشق السودان، وما غادره طيلة عمره. وهو الذي كانت مدن العالم، ومهاجره، في متناول يده. فقيدنا كان الفنان الذي بداخله يرتوي دمه بأكسجين شوارع الخرطوم. وقلبه يجد طُمأنينتَه، وهو على دراجته يجوب شوارع الوطن. وعيناه تحتضن التفاصيل الصغيرة، والتي تتحول بدورها لعمل فنّي باهر في الوقت المناسب.
تفرّقت بنا سبل الحياة بُعيد المرحلة الثانوية، وما انفصمت عري الصداقة، والمحبة، طيلة هذي الأربعة عقود، ذهب هو إلى جامعة الخرطوم حتى تخرج فيها من كلية القانون. توشَّح بعدها عباءة الفنان عوضاً عن روب القاضي، أو بدلة المحامي، مسلَّحاً بالفرشاة، واللون، والأزميل. وهكذا انطلق كالسهم في دروب الوطن العشق، فأبدع الكثير، وأضاف للمشهد الجمالي، وللذائقة الجمعية، جهداً مثمراً. كان فخوراً جداً حين تولَّى تصميم، وإنجاز الجدارية عالية القيمة الفنية التي تُزيِّن صالة كبار الزوار بمطار الخرطوم. وهو عمل ضخم، ولا يتصدّى له إلا فنان بقامة عمار. قُبيل هذا كان أحد ركائز المشروع الثقافي المتقدم جداً – مجلة صباح – التي كانت تصدر للأطفال. ومع مسير الأيام كان عمار يواصل وضع بصماته الفنية أينما يكون، إلى أيام الاعتصام المجيد، حيث كان من أصحاب الإسهامات، والإبداعات الكبرى، واللافتة، في الجداريات الباذخة التي كانت من علامات تلك الأيام..
كان عمار يُحسن الظن بما نكتب أحياناً، وأنا في غمرة الحزن على رحيله سأستعرض حوارين بيننا لارتباطهما بالرحيل. فقبل بضع شهور حدثني – على إثر مقال لي عن أيام في القاهرة – عن أشواقه للحضور إليها، لأنها تضج بالناس، وبالحياة التي يهوى، ليكون قريباً من صنّاع الحياة، والأنس، وبها ما بها من حضور ثقافي، واجتماعي، يشبه الوطن الغائب الذي كان يتوسّد مسامه. ذاك الحديث بيننا تستشعر فيه مدى عمق أثر النزوح الغائر في النفس المرهفة. يقيناً، الأمر كله لله. لكني أزعم أن فقيدنا الراحل هو من ضحايا الحرب بلا كثير شك.
كنت في فقرة من مقال آخر تعرضت لحال منزلنا بعد هجوم التتار، وكيف فُقد فيه كل شئ عدا مكتبة الوالد… اتّصل بي الصديق الراحل، وهو مبتهج، ويرغب في مزيد من التفاصيل ليطمئن قلبه. أسهب في الحديث عن خوفه من ضياع الكتب النادرة في مكتبة المرحوم والده، وكذا كتب الفنون، والتصميم الخاصة به، والموجودة في مكتبه. كان مهموماً بمصير تلك الثروة المعرفية، وتبادلنا الحديث القديم، أن من يسرق لا يقرأ، ومن يقرأ لا يسرق. انتهى ذاك الحوار بأمل عريض أن يعود ذات يوم للحبيبة الخرطوم، ولمنزلهم بالعمارات، ويجد تلك الكتب مبعثرة، لكنها هناك… لم تعد في الإمكان عودته، ليت كتبه تكون في سلام فهي بعض منه. نم في سلام يا صاحب، لا نزكّيك على الله، لكن نحسبك تُجمّل الضفة الأخرى بروحك الشفيفة. كنت في حياتك الوريفة محبوباً تمشي بين الناس بالحسنى، والبسمة. ويُبادلك الناسُ المحبة، وها هم الكثيرون يذرفون الدمع ثخيناً على رحيلك. فلمثلك تبكي البواكي، ترحل جسداً، وتبقى ذكرى مملوءة بالعطر، واللون. نسأل الله الرحمن الرحيم في هذه الأيام المباركات من شهر رمضان المعظم أن يتنزل على مرقدك غمامٌ من رحمة الله، ونورٌ يضيء ما حولك. لا تنسوه من صالح الدعاء. والعزاء الحار لكل من عرف عماراً ذات يوم.


