لماذا ينجح السوداني فردا ويفشل السودان دولة؟.. قراءة في أزمة العقل الجمعي وغياب الدولة المؤسسية

لماذا ينجح السوداني فردا ويفشل السودان دولة؟.. قراءة في أزمة العقل الجمعي وغياب الدولة المؤسسية
  • 05 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

علي محمد مكاوي

من أكثر الأسئلة التي تتكرر في المجالس السودانية، وفي أحاديث الأجانب عن السودان، سؤالٌ موجعٌ لكنه حقيقي: لماذا ينجح السوداني كفرد في الخارج، كعالم وخبير ومهندس وطبيب وإداري، بينما يفشل السودان كدولة في بناء الاستقرار والتنمية؟
هذا السؤال ليس شتيمة للوطن، بل هو محاولة لفهم الجرح العميق الذي يعاني منه السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم.
*أولاً: السوداني ناجح لأن لديه عقلية صلبة وقدرة عالية على التكيف*
السوداني حين يغادر السودان إلى بيئة عمل منظمة، يصبح نموذجاً ناجحاً بسرعة، لأن لديه خصائص نادرة:
الذكاء العملي والقدرة على حل المشكلات.
الصبر والتحمل والعمل تحت الضغط.
الأخلاق المهنية والانضباط الذاتي.
التواضع وسرعة التعلم.
مهارات التواصل والعمل مع الثقافات المختلفة.
ولهذا نجد السوداني في الخليج وأوروبا وأمريكا وأفريقيا يحقق نجاحاً مدهشاً، ويُشهد له بالكفاءة والنزاهة.
*ثانياً: فشل السودان ليس بسبب ضعف الأفراد بل بسبب غياب الدولة*
السودان لا يفتقر إلى العقول، بل يفتقر إلى المؤسسات.
فالفرق بين الدولة الناجحة والدولة الفاشلة ليس في عدد الشهادات، بل في: سيادة القانون, قوة النظام الإداري, استقلال القضاء, الشفافية, محاسبة الفاسدين, حماية الموظف الشريف, منع استغلال النفوذ.
وعندما تغيب هذه العناصر تصبح الدولة مجرد ساحة صراع، وليست جهازاً وطنياً يخدم المواطن.
*ثالثاً: المحاصصة والولاءات تقتل فكرة الوطن*
أكبر جريمة ارتكبت في حق السودان هي تحويل الدولة إلى غنيمة.
صار كل طرف يبحث عن: نصيبه في السلطة, حصته في الوظائف, حصته في المال العام, حصته في التشريعي والتنفيذي, حصته في الامتيازات. وهكذا انتقلت السياسة من خدمة الوطن إلى تجارة نفوذ.
وعندما تصبح الدولة شركة محاصصة، فإن الكفاءة تُقصى، والولاء يُكافأ، وتصبح الوطنية مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي.
*رابعاً: الحسد موجود.. لكنه ليس أصل الأزمة.*
كثيرون يفسرون الفشل السوداني بالحسد، وهذا صحيح جزئياً، فالحسد ومحاربة النجاح موجودان. لكن الحقيقة أن الحسد وحده لا يسقط الدول.
الدول تسقط عندما: ينهار القانون, يضعف القضاء, تُخترق الخدمة المدنية, يصبح النفوذ أعلى من النصوص, تصبح المؤسسات رهينة للأفراد. وما يحدث أحياناً من معاقبة الموظف الشريف لأنه تمسك بالقانون، هو إعلان رسمي بأن الدولة تسير في طريق الخطر.
*خامساً: السودان فشل لأنه لم ينجح في صناعة عقل جمعي*
السودانيون كأفراد قد يبدعون، لكن الجماعة لا تتماسك بسهولة.
لماذا؟ لأن البناء الاجتماعي والسياسي في السودان تأسس على: القبلية والجهوية, الولاء للأشخاص لا للمبادئ, الأحزاب القائمة على الرمزية لا البرامج, الصراع التاريخي على السلطة.
فلا يوجد مشروع وطني كبير يجتمع حوله الناس، بل توجد مشاريع متنافسة تتقاتل على النفوذ.
*سادساً: غياب التشريع يفتح باب الفوضى*
عندما تغيب المؤسسات التشريعية والرقابية، تصبح الدولة بلا ضابط.
وفي غياب البرلمان الحقيقي، تتحول القرارات إلى: اجتهادات فردية, نفوذ مباشر, استثناءات, تدخلات شخصية.
وهنا تتحول الدولة إلى حالة “فوضى منظمة”، وتضعف الثقة بين المواطن والحكومة، وبين الموظف والدولة، وبين السياسي والشعب.
*الخلاصة: السودان لا يحتاج عباقرة… بل يحتاج دولة.*
السودان لا ينقصه العلماء ولا الخبراء ولا الموظفون الشرفاء.
السودان ينقصه شيء واحد فقط: دولة قانون ومؤسسات.
دولة تحمي الموظف الشريف بدل أن تعاقبه.
دولة تضع النفوذ تحت القانون لا فوقه.
دولة تحاسب المخطئ مهما كان منصبه.
دولة تمنح الفرصة للكفاءة لا للمحسوبية.
عندها فقط سينجح السودان كما نجح السوداني في الخارج.
*رسالة أخيرة*
إن لم نستطع تحويل الوطن من “ساحة صراع” إلى “منظومة مؤسسات “، فستظل العبقرية السودانية تتألق خارج السودان.. بينما يظل السودان ينزف في الداخل. فالمشكلة ليست في السوداني.. بل في غياب الدولة.
والله من وراء القصد.

علي محمد مكاوي

خبير وطني في المواصفات والبيئة والاستثمار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*