آيات تُزعج الطغاة ويصمت عندها كثير من الوعّاظ

آيات تُزعج الطغاة ويصمت عندها كثير من الوعّاظ
  • 16 مارس 2026
  • لا توجد تعليقات

الدرديري عبدالحميد محمد

في القرآن آيات ليست للزينة ولا للتلاوة العابرة. آيات إذا وقف الإنسان عندها اهتز قلبه لأنها تكشف قوانين التاريخ وسنن سقوط الأمم. ولهذا تمر هذه الآيات أحيانًا بصمت في كثير من الخطب والمواعظ، لا لأنها غامضة، بل لأنها واضحة أكثر مما يحتمل الواقع.
فالقرآن ليس كتاب وعظ فردي فحسب، بل كتاب يكشف طبائع النفس والسلطة والمال، ويضع سننًا ثابتة تحكم حياة الأمم كما تحكم حياة الأفراد.
ومن أخطر هذه السنن قول الله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾
سورة العلق (6–7)
هذه ليست آية عن حاكم بعينه، بل عن قانون نفسي خطير.
فالإنسان إذا شعر بالاستغناء — استغنى بالمال أو بالقوة أو بالسلاح أو بالنفوذ — فإن أول ما ينبت في نفسه هو الطغيان.
ولهذا لم يقل القرآن إن الإنسان يطغى إذا ظلم فقط، بل قال:
﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾
أي حين يظن أنه لم يعد يُسأل، ولم يعد يُحاسب، ولم يعد فوقه أحد.
ومن هنا تبدأ المأساة. فالتاريخ كله يشهد أن الطغيان يبدأ دائمًا بوهم القوة، وأن الإنسان حين يظن أنه فوق المساءلة ينسى أن فوقه ربًا لا يغفل ولا ينام.
ولهذا جاء التحذير القرآني القاطع:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾
سورة إبراهيم (42)
الله لا يقول إن الظالم لن يُمهل، بل يقول إنه يُمهل.
لكن الإمهال ليس رضا، بل قد يكون استدراجًا وتأخيرًا إلى لحظة الحساب.
وقد شرح النبي ﷺ هذه السنة الإلهية شرحًا يهز القلوب فقال:
«إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ».
ثم قرأ النبي ﷺ قول الله تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ
إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
سورة هود (102)
رواه البخاري ومسلم.
لكن القرآن يكشف سنة أخطر من مجرد الإمهال، وهي سنة الاستدراج التي تخدع كثيرًا من الناس.
قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ
حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا
أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً
فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
سورة الأنعام (44)
هذه ليست قصة تاريخية قديمة، بل سنة تتكرر في كل زمان.
حين يكثر الظلم، ويُسكت صوت الحق، ويُطارد الصادقون، قد لا يأتي العقاب فورًا.
بل يحدث شيء أخطر: تُفتح أبواب الدنيا.
مال أكثر.
سلطة أكثر.
تصفيق أكثر.
حتى يظن الناس أن الظالم نجح وأن الباطل انتصر.
لكن القرآن يكشف الحقيقة المرعبة:
أن ذلك ليس نجاحًا، بل المرحلة الأخيرة قبل السقوط.
ولهذا يذكّر القرآن بمصير الطغاة في التاريخ:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
سورة الفجر (6–14)
ثم يقرر القرآن سنة الاستبدال التي لا تتوقف:
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً
وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾
سورة الأنبياء (11)
بل إن القرآن يقرر حقيقة أخرى تهز الغافلين:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا
وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾
سورة الكهف (59)
أي أن سقوط الظالم ليس صدفة،
وليس فوضى في التاريخ،
بل له موعد معلوم عند الله.
ولهذا حذر القرآن من أخطر ما يصيب المجتمعات:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
سورة الأنفال (46)
فالريح التي تذهب عن الأمم ليست الريح العسكرية فقط، بل ريح الهيبة والقوة والتماسك.
وقد حذر النبي ﷺ من هذا المصير تحذيرًا صريحًا فقال:
«إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ
أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ».
رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وهذا هو المعنى الذي حذر منه القرآن بقوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
سورة الأنفال (25)
إنها آية مخيفة.
فإذا أصبح الظلم علنيًا وسكت الناس عنه، فإن النار حين تشتعل لا تسأل من أشعلها.
ولهذا كان أخطر ما يقتل الأمم ليس الظلم وحده، بل الاعتياد على الظلم.
أن يرى الناس الفساد فيصمتون.
ويروا الكذب فيبتسمون.
ويروا الخيانة فيتأقلمون.
حتى يصبح الباطل جزءًا من الحياة اليومية.
وعندها تتحقق الكلمة القرآنية الثقيلة:
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
سورة الأنعام (45)
وقطع الدابر في لغة القرآن ليس مجرد هزيمة، بل اقتلاع الجذور.
ولهذا يطرح القرآن السؤال الذي يجب أن يهز كل ضمير:
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ
إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾
سورة الأعراف (99)
فالاطمئنان وسط الظلم علامة غفلة،
والتصفيق للطغيان بداية الانهيار،
والصمت الطويل أمام الباطل هو الطريق الذي سلكه قبلنا كل من سقطوا.
فالقرآن لا يروي قصص الطغاة للتسلية، بل ليقول لكل جيل:
إن سنن الله لا تتغير،
وأن الطريق الذي سلكه الطغاة قبلهم
هو الطريق نفسه الذي ينتهي دائمًا إلى الهاوية.
#تدبر_القرآن
#سنن_الله_في_الأمم
#العدل

٢٦ رمضان ١٤٤٧هـ
١٥ مارس ٢٠٢٦م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*