علاقةُ حبٍّ مع المصحف
▪️ الحكاية ليست حكايةَ قراءةٍ عابرة، ولا طقسًا يتكرر بلا روح… بل هي قصةُ قلبٍ يقترب من النور درجةً بعد درجة، حتى يكتشف أن بينه وبين المصحف علاقةً لم يكن يتخيّل عمقها. .. نعم المصحف الشريف ذلك الكتاب لا يُفتح فقط… بل يُفتح به.
▪️بداياتٌ خفيفة… كظلٍّ لا يُمسك ،في أول الطريق، تبدو العلاقة عابرة، كأنها مرورٌ سريع على ضوءٍ بعيد…تُتلى الآيات، تتردد الحروف، غير أن القلب يبقى خارج المشهد.، لا رهبة تُقيم، ولا دهشة تُوقظ، ولا أثر يمتدّ إلى الداخل ، كأن المصحف صفحةٌ تُقلب، لا عالمٌ يُستكشف.
▪️وهنا يكمن السرّ الخفي النص حاضر، لكن القارئ لم يحضر بعد…هيبةٌ تُضيء… لكنها لا تُدفئ ،ثم يعلو الإحساس قليلًا، فيتسلل إلى النفس جلالٌ خاص، فيُصبح للمصحف مقامٌ مهيب، تُصان حرمته، وتُخفض له الأصوات…يقف القلب على عتبته في أدبٍ ظاهر، غير أن مسافةً خفية تبقى قائمة…رهبةٌ تُعظّم، لكنها لا تُعانق…إجلالٌ يُوقر، لكنه لا يفتح أبواب الأنس.،كأن القارئ يرى النور من بعيد، ولا يدرك بعد أن النور لا يُرى فقط… بل يُسكن.
▪️الضيق الذي يقود إلى الباب
تتبدل الأحوال، وتشتدّ الحياة، فتضيق الطرق، وتتعثر الخطى، ويثقل القلب بما لا يُحتمل…هنا، دون ترتيبٍ مسبق، تمتدّ اليد إلى المصحف، لا بدافع العادة، بل بدافع النجاة.، مرضٌ يرهق، ضيقٌ يخنق، حزنٌ يثقل الصدر… فيُفتح الكتاب كمن يفتح نافذةً نحو الهواء.
▪️وفجأة… تومض آية ،ليست مجرد كلمات، بل رسالة حيّة، كأنها خُطّت لهذا القلب تحديدًا…في تلك اللحظة، يحدث أمرٌ لا يُنسى: يشعر الإنسان أنه لايقرأ المصحف … بل ان المصحف يقرأه
وهنا تبدأ القصة الحقيقية، انبثاق الحبّ… النسيم الذي يوقظ القلب وينسرب نورا بين مسام الروح تتسلل شيءٌ آخر طمأنينة مع إحساس عجيب أكثر رقةً وأعمق أثرًا الحبّ انه الحب الصادق للقرآن فهولا يجيء صاخبًا، بل ينساب بهدوء، كنسيمٍ يعيد للحياة عافيتها..يُصبح للمصحف حضورٌ يوميّ، لا يُطلب لرفع الكرب فقط، بل لملء الفراغ، لإحياء الداخل، لإرواء عطشٍ لم يكن يُسمّى من قبل.
تتغير التلاوة؛ لا تُقرأ الآيات فحسب، بل تُصغى.لا تُسمع الكلمات، بل تُحسّ.ويبدأ القلب في اكتشاف دهشةٍ غريبة: هذا الكتاب يعرفه… يعرف ضعفه، وخوفه، وأمله، وسرّه الذي لم يقله لأحد.
دهشة التدبّر… عندما تتكلم الآيات
ثم تنفتح أبواب أخرى… أبواب لم تكن مرئية…تتبدل العلاقة من حبٍ صامت إلى حوارٍ حيّ، كل آية تُصبح سؤالًا وجوابًا، كل تكرار كشفٌ جديد، كل وقفةٍ عند حرفٍ نافذة على معنى لا ينتهي.
يتحول المصحف إلى كنزٍ لا تُستنفد جواهره؛ كلما ظنّ القارئ أنه أدرك المعنى، انفتح له أفقٌ آخر، أوسع، وأعمق، وأشد إدهاشًا، تتشابك الإشارات، تتناغم الآيات، تتجلّى الدقة، فيدرك أن هذا ليس نصًا يُقرأ… بل بناءٌ إلهيٌّ يُعاد اكتشافه في كل مرة.
▪️المقام الأجمل… حيث يسكن القلب وفي ذروة الرحلة، لا يعود المصحف كتابًا يُزار، بل يصبح وطنًا يُسكن…يأنس به القلب، ويستريح إليه العقل، ويجد فيه الإنسان ذاته كما لم يعرفها من قبل…تغدو الآيات مرايا، يرى فيها عيوبه فيُصلحها، ويرى إمكاناته فيُحييها، ويرى طريقه فيمضي مطمئنًا…لا حاجة إلى ضيقٍ يدفعه، ولا إلى سببٍ يذكّره؛ فالقرب ذاته صار غاية، والصحبة نفسها صارت حياة، السرّ الذي يتأخر ظهوره
▪️المصحف لا يكشف كنوزه لمن يمرّ، ولا يفتح أبوابه لمن يطرق على عجل.، إنه كتابٌ يُعطي بقدر ما يُؤخذ منه، ويمنح بقدر ما يُصدّق فيه…كل خطوةٍ نحوه، يقابلها نور، كل صدقٍ معه، يُثمر كشفًا،وفي النهاية، تتبدّى الحقيقة التي تغيّر كل شيء
▪️لم تكن العلاقة مع المصحف علاقة قراءة…بل كانت علاقة حبّ،…حبٍّ يبدأ بحرف،ويمتدّ حتى يُعيد تشكيل القلب…ليكون قلبًا يعرف الطريق، لأنه اصبح يمضى في الحياة بنورغامر وسعادة مستمرة وثقة بالله لا تنتهي أبدا.
▪️عزيرى القارئ جرب واجتهد واقترب أكثر لعلك تفوز بعلاقة حب ترتقي إلى مرحلة عشق للمصحف كتاب الله العظيم الذي لا تنقضى عجائبه أبدا.
mhgoub33@gmail.com


