الحرب السودانية: هل يمهّد الحصار المالي الأمريكي لتدخل دولي؟ .. ما الذي تكشفه ملفات وزارة الخزانة الأمريكية عن المرحلة القادمة؟
منذ صدور الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 14098 في عام 2023، حصلت وزارة الخزانة الأمريكية على صلاحيات واسعة لاستهداف أي شخص أو شركة تُتهم بتقويض الانتقال الديمقراطي أو تمويل الصراع في السودان، ليردف ذلك قرار الخارجية الأمريكية بتصنيف إخوان السودان وواجهاتهم المدنية والعسكرية منظمات إرهابية، لينشط مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) بصورة أكثر فاعلية مدفوعاً بتداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية في قنص مسارات أموال شبكات الإسلاميين العسكرية ووجهاتهم الاستثمارية.
ومن خلال مراجعة بيانات مكتب المراقبة الأمريكي يتضح أن واشنطن انتقلت من سياسة العقوبات الرمزية إلى ما يمكن وصفه بـ«الحصار المالي الذكي» الذي يلاحق الأموال، فبعكس الصورة الشائعة لا تقتصر العقوبات على تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة فحسب، إنما تمتد عملياً إلى النظام المالي العالمي. وفي هذا الصدد تشير محاضرات وتحليلات غير رسمية تداولها صحفيون استقصائيون سودانيون إلى حدوث عمليات نقل أموال كبيرة خارج حسابات شركات مرتبطة بالإسلاميين عقب تصاعد الحديث عن إدراجات أمريكية جديدة.
ورغم عدم وجود تأكيد رسمي للأرقام المتداولة، فإن نمط السلوك يتوافق مع ما ترصده وزارة الخزانة عادة قبل إدراج الكيانات على قوائم العقوبات، حيث تلجأ الشبكات المستهدفة إلى تفريغ الحسابات الدولارية سريعاً وتحويل الأموال إلى أصول عقارية باستخدام شركات واجهة في دول ثالثة، وهي آليات سبق أن وثقتها واشنطن في ملفات تخص شبكات تمويل مرتبطة بحزب الله وإيران.
ورغم عدم إعلان واشنطن رسمياً عن عقوبات واسعة على قطاع الذهب السوداني حتى الآن، فإن خبراء العقوبات يرون أن القطاع يمثل الهدف التالي المحتمل، لأنه المصدر الأكبر للعملة الصعبة والأكثر قابلية للتهريب، كما أنه الأقل خضوعاً للرقابة المصرفية، وهو نمط سبق استخدامه في عقوبات مفروضة على دول أخرى تعتمد على الموارد الطبيعية للالتفاف على الحظر المالي.
وتوضح بيانات مكتب مراجعة الأصول الأمريكي بعد تصنيف جماعة الإسلام السياسي تنظيماً إرهابياً أن الحملة الأمريكية استهدفت تجفيف مصادر التمويل وحصر النشاط المالي بالدولار، مع مراقبة دقيقة للتحويلات العابرة للحدود، ما أوجد ضغطاً غير مسبوق على شبكات التمويل الإسلامي وأجبرها على تحركات سريعة لتعويض خسائرها المالية. وتشير تحليلات المراقبين إلى أن شبكات الإسلاميين السودانيين حاولت تحويل مبالغ ضخمة خارج حساباتها المحلية والخارجية خلال فترة قصيرة في محاولة للتهرب من التجميد المالي، حيث تمت إعادة تدوير الأموال عبر شركات واجهة وعقارات خارج السودان، وهي تحركات لاحظتها وزارة الخزانة الأمريكية في دول عدة، بما فيها الإمارات وعمان ومصر، لتصبح جزءاً من شبكة متابعة دولية دقيقة تعكس ذعراً مالياً استثنائياً بعد إدراج الكيانات على قوائم الإرهاب، وتكشف عن استراتيجية الهروب من العقوبات عبر أساليب مالية معقدة.
واستغل بعضهم شراء العقارات والمزارع والمصانع بالدولار وبأسعار مضاعفة للسوق المحلي في السودان، إذ كانت شركات مرتبطة بالمؤتمر الوطني تعرض عروضاً مغرية، ويتم الدفع عبر بنوك في الإمارات، مما عرض البائعين السودانيين لاحقاً لمخاطر قانونية تتعلق بغسيل الأموال، وتؤكد حالات الاحتجاز في سجون دول الخليج لعشرات رجال الأعمال خطورة المشاركة في هذه المعاملات المالية.
وعلى الرغم من المقاطعة الرسمية لشركات التصنيع الحربي في السودان، فإنها كانت الأكثر نشاطاً في التخلص من ودائعها الدولارية الضخمة، مستخدمة سجلات تجارية جديدة في دول ثالثة لإصدار شيكات بالدولار وتوسيع ملكياتها العقارية محاولةً الحفاظ على النفوذ المالي رغم العقوبات.
وأدت التطورات الإقليمية إلى إغلاق أبواب تركيا وقطر أمام التحايل المالي للشبكات، إذ جعلت تسوية قضايا بنوك تركية مرتبطة بالتحايل على العقوبات السابقة أي مشاركة مصرفية تركية لصالح شبكات الإخوان السودانيين مستحيلة، بينما أصبحت القيادة القطرية بعد زيارات عدة لمسؤولين سودانيين غير مستعدة للمغامرة بأي تحايل مالي بسبب المخاطر العالية للعقوبات الثانوية الأمريكية واصطفاف بعض العناصر مع إيران وحرص الدوحة على حماية نظامها المصرفي.
ورغم وجود كتل مالية ضخمة للإسلاميين في مصر، فإن التركيز الأمريكي ينصب على الحسابات الدولارية فقط، حيث جرى تدوير معظم الأموال في عقارات واستثمارات طفيلية خارج نطاق التحويلات المباشرة بالدولار، مما جعلها خارج دائرة الاهتمام المباشر لمراقبي OFAC. وتشير التحركات المالية الأخيرة إلى ضرورة عدم التعامل بالدولار مع شركات مرتبطة بالمؤتمر الوطني أو قبول شيكات دولارية من خلال بنوك إماراتية معينة، لأن أي تعامل من هذا النوع قد يضع المواطن في دائرة الاشتباه بغسيل الأموال حتى لو لم يكن جزءاً من أي شبكة سياسية.
وكان استمرار تهريب الذهب من مناطق التعدين في السودان إلى دبي يمثل شرياناً أخيراً لشبكات الإسلاميين، غير أن هذا المسار بدأ يتأثر بفقدان التسهيلات الإماراتية وتشدد الرقابة في المناطق الحرة وتدهور العلاقات السياسية مع دول خليجية نتيجة اصطفاف بعض الإسلاميين مع إيران، ما جعل المورد الأخير يختنق تدريجياً.
وتجمع البيانات والتحليلات على أن شبكات الإسلام السياسي السودانية دخلت مرحلة الموت البطيء مالياً وسياسياً نتيجة انهيار الحواضن الإقليمية وكشف شبكات التمويل واستحالة التحايل على النظام المالي الأمريكي، مع غياب أي سابقة لرفع تصنيف منظمة إسلامية من قوائم الإرهاب منذ عام 1997. وحتى لو حاول التنظيم إعادة التسمية أو التحايل، يبدو أن الزمن الذي كان يحمي النفوذ المالي والسياسي للإخوان قد انتهى، وأن السيطرة على الدولار والشبكة المالية أصبحت السلاح الأقوى في معركة الحصار، لتصبح الشبكات محاصرة ومصيرها محسوم تدريجياً دون الحاجة حتى لأي قهر دولي مباشر.
وتشير هذه المؤشرات، مع ازدياد حجم النزوح وتفاقم الأزمة الإنسانية وتصاعد وتيرة الحرب في كردفان ودارفور وجنوب النيل الأزرق، إضافةً إلى الزيارة التي قام بها المبعوث الأممي للسودان مؤخراً، إلى احتمالات قرارات أممية وشيكة قد تشمل هدنة إنسانية مستدامة تحت مظلة قرارات دولية صارمة لا تحتمل التسويف أو المراوغة.


