حين يردُّ الجميل… عمارة تحتفي بابنها الذي صنع من الرياضة وطناً

حين يردُّ الجميل… عمارة تحتفي بابنها الذي صنع من الرياضة وطناً
  • 06 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

تقرير- محمد فتحي

في لفتة تعبر عن الوفاء، يستعد أبناء عمارة بالمملكة العربية السعودية لنسج لحظةٍ استثنائية عبر تكريم ابنهم الرياضي المطبوع علي خليل، الذي لم يكن مجرد اسمٍ في سجل الرياضة، بل سيرةً ممتدة من العطاء، ووجهاً مألوفاً لكل دروب المبادرة والعمل الجماعي.
مساء الجمعة، بدا اللقاء أشبه بمنصة تقدير مفتوحة، التفّ حولها الأهل والأحبة، لا ليسطروا مشهد تكريم عابر، بل ليشاركوا في إعادة سرد حكاية رجلٍ جعل من الرياضة جسراً للتواصل، ومن الانتماء مشروعاً يومياً لا ينقطع. في تلك الأمسية، لم يكن الحضور مجرد شهود، بل شركاء في كتابة فصلٍ من فصول الامتنان.


تخللت الأمسية لفتاتٌ رمزية، كان أبرزها تكريم أشبال فريق “بشائر الشمال”، إلى جانب عددٍ من الزائرين من أبناء عمارة، في إشارةٍ واعية إلى أن العطاء لا يُقاس بالفرد وحده، بل بما يتركه من أثرٍ في الأجيال. ولم تكد لحظات التكريم تنقضي، حتى انعقد اجتماعٌ تفاكري بين أبناء “عمارة”، رسموا خلاله الخطوط العريضة لاحتفالٍ أكبر يليق بتاريخ الرجل، ويوازي حجم ما قدّمه.
أجمع الحضور، في كلماتٍ اتسمت بالصدق والتلقائية، على أن تكريم علي خليل ليس ترفاً اجتماعياً، بل واجباً أخلاقياً. فقد ارتبط اسمه، على مدى سنوات، بالحراك الرياضي لأبناء المنطقة في المملكة، عبر فريق “بشائر الشمال”، الذي تحوّل من مجرد كيان رياضي إلى مساحةٍ جامعة، التقت فيها قبائل السودان وتنوّعاته، في صورةٍ مصغّرة لوطنٍ يتجاوز الانقسامات.


وتحدّث أحد الحاضرين بلهجةٍ أقرب إلى البوح، مؤكداً أن علي خليل لم يكن مجرد قائدٍ لفريق، بل حلقة وصلٍ إنسانية، امتدت علاقاتها إلى ما هو أبعد من حدود الرياضة. “من خلاله تعرّفنا على الناس، وعلى السودان بكل تنوعه”، يقول، مستعيداً مواقف ظلّت عالقة في الذاكرة، ومشيراً إلى أن كثيراً من بداياته الشخصية في المملكة ارتبطت بدعم الرجل ووقوفه إلى جانبه.
في المقابل، بدا علي خليل، وهو يتحدث عن التكريم المرتقب، أكثر ميلاً إلى توسيع دائرة المعنى، إذ اعتبر أن الاحتفاء لا يخصه بقدر ما يخص “عمارة” كلها، التي ظل اسمها حاضراً في المشهد الرياضي عبر فريق “بشائر الشمال”. وأوضح أن مسيرته الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم تكن مجرد إدارة لفريق، بل تجربة متكاملة لصناعة الإنسان قبل اللاعب.
وأشار إلى أن الفريق، يرجع تأسيسه إلى أوائل التسعينيات، حين واظب أبناء عمارة على التمارين والمباريات الودية مع الأشقاء في النوبة المصرية، وكان أول فريق من الشمال (الولاية الشمالية ونهر النيل) ينضم إلى الروابط الرياضية في الصالحية، وذلك في عام 1993م، واتخذ اسم بشائر الشمال، ليكون وعاءً جامعاً. ومع مرور السنوات، تحوّل الفريق إلى مدرسةٍ غير معلنة، تخرّج فيها طلابٌ أصبحوا اليوم أطباء ورجال أعمال ونماذج فاعلة في المجتمع، في تأكيدٍ على أن الهدف لم يكن منصبّاً على المنافسة وحدها، بل على التربية وبناء الشخصية.
ولم يخفِ خليل تأثره بتفاعل أبناء منطقته، معتبراً أن هذا الحراك يعكس وعياً متقدماً بقيمة الرموز المحلية، وضرورة الاحتفاء بها وهي على قيد العطاء. كما أشار إلى ترتيباتٍ جارية لإعادة هيكلة العمل الإداري للفريق، عبر تشكيل لجنة جديدة، تواصل المسيرة وتفتح الباب أمام جيلٍ أكثر شباباً.
وفي لفتةٍ تحمل بُعداً مستقبلياً، تحدّث عن الفئات السنية الصغيرة المنضوية تحت راية “بشائر الشمال”، مؤكداً أن هؤلاء الناشئين، الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية وخمسة عشر عاماً، يمثلون نواةً واعدة، قد تكون يوماً ما العمود الفقري للمنتخب السوداني، إذا ما توفرت لهم الرعاية والاستمرارية. وقد أجريت مباراة تنافسية بين فريقين من الناشئين، وتم تقديم الرياضي المطبوع عبدالخالق حسن عبدالحليم ليمنح الكأس للفريق الفائز، وفي لفتة جميلة احتفى الفريقان بالكأس، ليؤكدوا شعار “الصالحية” (كلنا فائزون).

هكذا، لا يبدو تكريم علي خليل مجرد احتفالٍ بشخص، بل استعادة لقيمةٍ أوسع: أن المجتمعات الحية لا تنسى من خدموها، وأن الرياضة، حين تُدار بروحٍ إنسانية، يمكن أن تكون وطناً صغيراً يتسع للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*