الرابطة النوبية السودانية بالمملكة المتحدة ومجلة “نوبيانا” تحتفيان بالإرث الفكري للدكتور جمال محمد أحمد في بودكاست “مسِلْ جمَّان”

الرابطة النوبية السودانية بالمملكة المتحدة ومجلة “نوبيانا” تحتفيان بالإرث الفكري للدكتور جمال محمد أحمد في بودكاست “مسِلْ جمَّان”
  • 17 مايو 2026
  • لا توجد تعليقات

التحرير- متابعات

في تظاهرة ثقافية وفكرية استثنائية وبثٍّ حيٍّ جرى مساء أمس السبت 16 مايو 2026، وأدارها الدكتور حسين حسن حسين رئيس تحرير مجلة نوبيانا، احتفت الرابطة النوبية السودانية بالمملكة المتحدة ومجلة “نوبيانا” بالإرث الإنساني والدبلوماسي والأدبي الكبير للراحل المقيم الدكتور جمال محمد أحمد، وذلك عبر بودكاست “نوبيانا” الذي يبث تحت اسم “مسِلْ جمَّا” (Masil Gamma)، وتزامن اللقاء مع مرور عامين على صدور المجلة والاحتفاء بصدور المجلد الأول من الأعمال الكاملة للأديب الراحل، وحملت الندوة التي جرت عبر تطبيق “زووم” عنوان “الدبلوماسية وفلسفة الهوية: إبحار في فكر وأدب جمال محمد أحمد”، وشهدت حضوراً نوعياً لافتاً من المثقفين والدبلوماسيين وأبناء الجالية السودانية والنوبية في المهاجر المختلفة.


افتتح البودكاست بمحوره الأول الذي غاص في الجانب الإنساني والنشأة تحت عنوان “رابطة الأرض والجذور”، وتحدث فيه نجل الراحل الدكتور عارف جمال محمد أحمد، مستعرضاً ملامح من شخصية “الأب والإنسان” وكيف شكلت بيئة وادي حلفا وقرية “سِرّة” وجدانه ونشأته التي انعكست على مسار حياته اللاحقة، وتناول التحدِّيات التي واجهت الأسرة في التنشئة خارج الوطن وكيفية تجاوزها وخاصة في تجربة إجادة الأبناء للغة العربية بتوجيه من الوالد، كما توقف عند الرمزية العميقة لإطلاق اسم “سرة” على منزلهم كجسر يربطهم بالجذور النوبية، كاشفاً عن كواليس كتابة أعمال والده وطقوسه، والتحديات الكبيرة التي واجهت الأسرة في جمع وتوثيق هذه الأعمال لتخرج في نسق فكري متكامل بالمجلد الأول، معبراً عن امتنان الأسرة الكبيرة بهذا الاحتفاء الفكري المتميز.
وفي المحور الثاني، قدم وزير الخارجية الأسبق السفير إبراهيم طه أيوب شهادة حية ومعاصرة بوصفه رفيق درب الراحل وابن منطقته، متناولاً “مدرسة الدبلوماسية الثقافية” عند جمال محمد أحمد، حيث أشار إلى كتابه “سرة شرق” وما يمثله في أدب السيرة الذاتية السودانية، وأوضح السفير أيوب كيف كان الراحل عبقرياً في توظيف الأدب والفكر كقوة ناعمة لخدمة الدبلوماسية السودانية، وكيف نجح في الربط الخلاق بين هويته النوبية وانفتاحه على العمقين العربي والإفريقي، مفسراً السر وراء البدء بالكتب الأربعة تحديداً في المجلد الأول والخيط الخفي الذي يجعلها تبدو ككتاب واحد يجمع شتات الفكرة الحضارية.
ثم انتقل الحديث إلى السفير صلاح محمد أحمد في المحور الثالث، الذي ركز على الرؤية الاستشرافية للراحل عبر كتابه “عرب وأفارقة” مبرزاً كيف استطاع جمال محمد أحمد مبكراً جسر الهوة الثقافية بين المكونين العربي والإفريقي بصفته نوبياً يدرك تمازج الهويات، واستعرض تجليات الأديب في شخصية الراحل مفسراً سر اهتمامه الخاص بـ “المسرحية الإفريقية” كأداة عميقة لفهم بنيات المجتمع الإفريقي، مؤكداً الأهمية البالغة لإعادة قراءة وفهم فكر الراحل في الوقت الراهن لمواجهة تحديات الهوية المعقدة التي تعيشها القارة الإفريقية والسودان اليوم.
من جانبه، قدم الروائي والأديب الدكتور بشرى الفاضل في المحور الرابع إضاءة نقدية حول جمال محمد أحمد بوصفه “كاتباً ثنائياً” أبدع بالعربية والإنجليزية معاً دون أن يفقد خصوصية صوته الأدبي وهويته السودانية النوبية، وحلل الفاضل أسلوب الراحل اللغوي وميزته عن جيله من الأدباء، مؤكداً أن الترجمة عند جمال لم تكن مجرد نقل ألسني، بل كانت مشروعاً حضارياً واعياً لبناء الجسور ونقل الفكرة السياسية والاجتماعية مثل ترجمته لكتاب “الدولة الاتحادية” والمسرح الإفريقي لإنارة العقل السوداني والعربي، مستحضراً تجربة الراحل في رئاسة اتحاد الكتاب السودانيين ودوره الملهم الذي يستحق أن تستعيده الأجيال الجديدة اليوم في ظل التحولات الإعلامية المعاصرة.
أعقب ذلك تعقيب مطول ومؤثر للأستاذ عمر سيد أحمد، وصَف فيه اللقاء بأنه وقفة في حضرة “غياب مضاعف”؛ رحيل جمال محمد أحمد، ورحيل شقيقه الراحل أبوبكر سيد أحمد الذي ظل يكتب عن جمال حتى آخر أيامه، واستحضر عمر شهادات تاريخية صاغها عمالقة الفكر؛ فاستشهد بكلمات الطيب صالح الذي وصف جمال بأنه لم يكن مجرد شخص بل “عالماً متكاملاً قائماً بذاته يصنع المحبة والإلفة ويمثل القطب لرهط واسع من الحواريين”، مسترجعاً شهادة الطيب في نبوغ جمال الدبلوماسي بلندن وأكسفورد، ومقارنة أسلوبه الأدبي الرفيع بأساليب طه حسين والرافعي والمازني، كما أورد عمر شهادة المفكر د. منصور خالد الذي اعتبر جمال المفكر السوداني الأول الذي حلل المكونات الثقافية المتشابكة للوطن مستشهداً بمقولة الراحل الاستشرافية في مؤتمر الخريجين عام 1937 حول التعددية السودانية، وعرّج المعقب على فلسفة الهوية عند جمال القائمة على تمازج المنبت النوبي والوطن السوداني والهوى الإفريقي واللسان العربي، خاتماً بشهادة تاريخية حول عبقرية الدبلوماسية الشعبية للراحل عندما استضاف الشاعر نزار قباني في منزله عام 1973 وخرجت من ذلك المجلس الحميم مقولة نزار الشهيرة “القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، والخرطوم تقرأ”.
وشهدت الأمسية أيضاً تعقيبات ومداخلات من ابنتي الراحل، الدكتورة علوية جمال محمد أحمد والأستاذة عالية جمال محمد أحمد، اللتين أثرتا النقاش بلمحات إنسانية عائلية وثقت لقيم الراحل ونبله الإنساني في إدارة بيته وتنشئة أسرته، وكذلك تناول الدكتور عبدالله الفكي البشير جرأة الراحل، وموقفه من الأستاذ محمود محمد طه، وألقى السفير طارق أبوصالح إسهامات جمال محمد أحمد في إرساء أسس الدبلوماسية السودانية.
واختتم رئيس الرابطة النوبية السودانية بالمملكة المتحدة الأستاذ رضا بدر البودكاست بتقديم أسمى آيات الشكر والتقدير لجميع المتحدثين والمشاركين والمعقبين على ما قدموه من فيض فكري وترسيخ لمنهج الراحل، معلناً في الوقت نفسه عن الترتيب لإطلاق البودكاست القادم للرابطة والمجلة الذي سيتم تخصيصه للاحتفاء بعالم الآثار السويسري “شارل بونيه” وجهوده الكبيرة والتاريخية في الكشف عن أسرار الحضارة النوبية السودانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*