الالتزام بالمواعيد

الالتزام بالمواعيد
  • 07 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

بروفيسور محجوب آدم

أنا واحد من الذين يؤكدون أن أهل الغرب لا يتميزون عنا بشيء ، وأن ما يقال عن تفوقهم الفكري ، أو قدراتهم الخاصة مجرد هراء .. وما كان تصديقنا لهذا الإدعاء إلا لعدم ثقتنا بأنفسنا .. ضحك من قلت له هذا الكلام .. وقال : إنا كنا نظنك فينا رشيداً ، فإذا بك كما أراك تهذي .. يكفي أنهم أكثر انضباطاً منا في مواعيدهم ، ومضى .. ومضيت .. وكل منا مقتنع بما ادعى ، إلى أن كان ذات يوم تقدمت فيه للعمل مدرساً في مدرسة أجنبية في وسط أم درمان .. ولم تدم فرحتي باستلامي للعمل أخيراً ، إذ فوجئت بمديرة المدرسة الايطالية تقرع أذني بأني تأخرت عن موعد الطابور الصباحي ، وطلبت مني برقتها المتناهية أن لا أتأخر مرة ثانية .. وإلا .. أمر بسيط ؛ لأن حله يتوقف على استيقاظي مبكراً .. وقد كان ..
انطلقت في اليوم التالي بنشاط تام في تمام السادسة صباحاً نحو موقف ( العزوزاب ) وهالني أن أجد الناس وقد اصطفوا على جانبي الطريق في انتظار مركبة ، وما أن تصل إلا وتدافعوا نحوها في شراسة وجنون ، وزاحموا عليها بالمناكب .. ولم أر صنيعهم يصلح لمدرس بنات ينبغي أن يدخل الفصل بهندام مرتب ، وشعر مصفف و .. ولكن ماذا أفعل مع هذه الدقائق التي تسرع في الانقضاء ، وأنا عاجز عن اللحاق بمركبة تقلني إلى حيث أقصد .. إلى أن هدتني أفكاري أن أتحول إلى الاتجاه المعاكس ؛ فوجود مكان في المركبة أسهل ، حتى أصل إلى المحطة النهائية ثم أعود مرة أخرى في اتجاه الخرطوم بالحافلة نفسها .. ولحسن حظي نجحت في تنفيذ خطتي بسلام .. غير أن المركبة الحكومية التي وجدت مقعداً فيها بسهولة لم تقف طويلاً في نهاية موقف العزوزاب بل انطلقت في اتجاهها نحو القلعة ، فقلت : لا بأس ستعود من نهاية القلعة ، ولكنها آثرت أن تنطلق نحو الكلاكلة ، فلم أنزعج إلا قليلاً للتأخير فقد كنت متأكداً أنها ستتحول في نهايتها نحو الخرطوم .. فوجدتها تنحرف نحو القبة وتتهادى في طريقها ، وتطلق من مزمارها ما جعل أنفاسي تتصاعد ، وقبضتي تتكور ، ودمائي تغلي .. عندما وصلنا نهاية المحطة كنت قد وصلت نهاية ما يمكن أن أتمالكه من أعصابي ، وبينما كنت أحاول أن أصل إلي السائق كان قد نزل وفي فمه سيجاره وفي يده صحيفة ، ولم أجد بداً من الرجوع إلى مقعدي .. وفي طريق عودتنا تحركت نحو السائق بصعوبة بالغة بين الركاب .. فلما وصلته كانت المركبة قد حاذت محطتي التي انطلقت منها قبل ساعتين .. فسألته بأدب جم أن يمكنني من النزول ..
بعد نوم أحتل غالب اليوم ، بدأت في مراجعة كلمات الاعتذار والتأسف في لغة الإنجليز ، وحفظت منها ما أسعفني عندما وقفت أمام الايطالية الشمطاء في اليوم التالي ، أعيد منها وأكرر ، وهي تدعو بقية الشلة ، وأحسب كل مرة أني ما زلت مقصراً في تقديم ما يناسب الموقف من اعتذار .. حتى انفجرت إحداهن ضاحكة : لقد كان من حظك الجميل أنك لم تصل بالأمس إلى المدرسة .. فسألت لغبائي : لماذا ؟ فقالت : لأن يوم الأحد عطلة عندنا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*