في مشهد صادم أعاد إلى الأذهان تساؤلات قديمة حول أولويات التخطيط وآليات الإدارة والتنفيذ لدى حكومة الولاية الشمالية، تجددت أزمة مدرسة الشهيد كمال علي مختار الثانوية للبنات (السرايا) بمدينة دنقلا، إحدى أعرق المؤسسات التعليمية في شمال السودان، وذلك عقب إجراءات مفاجئة تمثَّلت في إخلاء عدد من الفصول الدراسية والتعدِّي على مرافق المدرسة.

وتُعدُّ مدرسة السرايا من أبرز مدارس تعليم البنات في الولاية الشمالية، إذ يعود تاريخها إلى بدايات تأسيس التعليم النظامي، وقد خرَّجت أجيالًا من القيادات النسائية التي أسهمت في مختلف مجالات المجتمع.
إجراءات مثيرة للجدل
وبحسب مصادر متطابقة، أقدمت جهات تنفيذية ممثَّلة في وزارة الثقافة بالولاية على إخلاء عدد من الفصول الدراسية وإلقاء الأثاث المدرسي في العراء، تمهيدًا لاستخدام أجزاء من المدرسة لأغراض ثقافية وسياحية ضمن فعاليات «دنقلا عاصمة الثقافة». وقد أدَّى ذلك إلى إجبار الطالبات على أداء امتحانات الشهادة السودانية داخل خيام نُصبت في فناء المدرسة، في ظروف وُصفت بأنها «غير إنسانية» و«صادمة».

ذاكرة صراع لم تنتهِ
وتعيد هذه التطوَّرات إلى الواجهة أزمة عام 2009، حين تم بيع المدرسة لصالح مستثمر، قبل أن تنجح خريجاتها ومجتمع دنقلا في استعادتها عبر جهود أهلية واسعة، شملت جمع مبالغ مالية وتعويض المستثمر، في واحدة من أبرز صور الدفاع المجتمعي عن مؤسسات التعليم في السودان.
تساؤلات حول الأولويات
وأثارت الواقعة موجة من الغضب وسط الأهالي والخريجات، اللاتي رأين أنَّ ما يحدث يمثل تعدِّيًا مباشرًا على حق الطالبات في التعليم، واستخفافًا بتاريخ المؤسسة، متسائلات: كيف يمكن التضحية بمؤسسة تعليمية قائمة لصالح مشروع يمكن تنفيذه في موقع آخر؟

دعوات للتدخل العاجل
وطالبت لجنة خريجات المدرسة، برئاسة الأستاذة آمنة عثمان، إلى جانب أصوات مجتمعية وروابط المنطقة في الداخل والمهجر، بوقف أي إجراءات تمسُّ المدرسة فورًا، وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها، مع ضرورة محاسبة الجهات التي اتخذت هذه القرارات دون مراعاة لحقوق الطالبات أو حساسية الموقع.

ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز كونها نزاعًا حول مبنى، لتطرح إشكالية أعمق تتعلَّق بحماية المؤسسات التعليمية من التعدِّي، وضمان عدم إخضاعها لقرارات إدارية آنية تفتقر إلى البعد الاستراتيجي.
تبقى مدرسة السرايا أكثر من كونها فصولاً دراسية؛ فهي رمز لتاريخ طويل من كفاح تعليم المرأة في السودان، وأي مساس بها يطرح سؤالًا جوهريًّا: هل يمكن بناء مستقبل ثقافي على حساب مؤسسات تصنع الوعي ذاته؟

بيان الخريجات
ومن جهتها، أعربت جمعية خريجات مدرسة السرايا بدنقلا عن قلقها واستنكارها للإجراءات التي طالت مدرسة الشهيد كمال علي مختار الثانوية للبنات، والمتمثلة في إخلاء الفصول الدراسية والتعدّي على مرافقها بحجة تحويل أجزاء منها إلى متحف ضمن فعاليات «دنقلا عاصمة الثقافة». وأوضحت أن هذه الخطوة أدت إلى حرمان الطالبات من بيئة تعليمية مناسبة، وإجبارهن على أداء امتحانات الشهادة السودانية في خيام داخل المدرسة، في ظروف غير ملائمة.

وأكدت الجمعية أن المدرسة تمثل رمزًا تاريخيًا لتعليم البنات، مستذكرةً استعادتها بجهود مجتمعية بعد بيعها في عام 2009، معتبرةً أن ما يحدث يُعد انتهاكًا لحقوق الطالبات وإضرارًا بالعملية التعليمية. وطالبت بالإيقاف الفوري لهذه الإجراءات، وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها، مع التأكيد على ضرورة حماية المؤسسات التعليمية وعدم المساس بها تحت أي مبررات.