الانشقاق بين التوبة الحقيقية والهروب من العدالة

الانشقاق بين التوبة الحقيقية والهروب من العدالة
  • 21 مايو 2026
  • لا توجد تعليقات

محجوب إبراهيم الخليفة

▪️الحروب الطويلة لا تُنتج الخراب وحده، بل تُنتج أيضاً مناطق رمادية تختلط فيها الشعارات بالمصالح، وتضيع فيها الحدود بين التوبة الصادقة والمناورة السياسية، وبين من يعود إلى الوطن نادماً راغباً في السلام، ومن يبدّل موقعه فقط ليهرب من الحساب.
▪️ولعلّ أخطر ما أفرزته الحرب السودانية الحالية هو ظاهرة الانشقاقات المتتالية ومحاولات الاحتماء براية الوطن بعد المشاركة في تدميره، حتى أصبح السؤال الأخلاقي والقانوني أكثر إلحاحاً من السؤال العسكري نفسه.. هل يكفي أن يغيّر الإنسان موقعه ليُغسل تاريخه تلقائياً؟ وهل يملك أحد حق إسقاط حقوق الضحايا باسم التسامح أو الضرورات السياسية؟
▪️الوطن ليس فندقاً يغادره الإنسان ساعة الخراب ثم يعود إليه ساعة الهزيمة طالباً الحماية ، والوطن كذلك ليس مؤسسة غفران تمنح صكوك البراءة الجماعية لكل من قرر تبديل زيه العسكري أو خطابه الإعلامي.
▪️السودان اليوم مليء بالمدن المحروقة والقرى المنكوبة والأسر الممزقة، ملايين المواطنين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وآلاف النساء تعرضن لانتهاكات مروعة، وأطفال كُثر خرجوا من المدارس إلى معسكرات النزوح والخوف والجوع.
▪️هذه المأساة ليست حدثاً عابراً يمكن تجاوزه ببيانات الانضمام أو المؤتمرات الصحفية أو الصور التذكارية أمام الكاميرات ،فاالمرأة التي اغتُصبت لا تستعيد كرامتها بمجرد إعلان الجاني انشقاقه.
والطفل الذي ضاعت سنوات تعليمه لا يعود إليه مستقبله بكلمات المصالحة المجانية، والرجل الذي قُتل أبناؤه ونُهبت داره لا يشعر بالعدالة لأن أحد قادة المليشيا أعلن أنه أصبح مع الوطن.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو تحويل الانضمام للجيش أو للقوات المشتركة إلى وسيلة للهروب من العدالة، أو صناعة مظلة سياسية تحمي المتورطين في الجرائم الكبرى من المحاسبة القانونية والأخلاقية،  ولابد ان نعي انه ليس كل من انشق بطلاً، وليس كل من عاد للوطن صادقاً.
▪️بعض المنشقين ربما اكتشفوا متأخرين حجم الكارثة، ورأوا بأعينهم أن المشروع الذي انخرطوا فيه تحوّل إلى آلة تدمير شاملة، فاختاروا الانحياز للسودان ورفض الاستمرار في سفك الدماء، هؤلاء يمكن النظر إلى مواقفهم باعتبارها مراجعات حقيقية، خاصة إذا ارتبطت باعتراف واضح بالأخطاء، ورفض صريح للجرائم، واستعداد كامل للخضوع للتحقيق والمساءلة القانونية.
▪️أما الذين يغيّرون مواقعهم فقط بعد اقتراب الهزيمة، أو بعد تضييق الخناق عليهم، أو بعد تصاعد المطالب الدولية بالمحاسبة، فهؤلاء لا يقدمون مراجعات فكرية أو وطنية، بل يبحثون عن (تأمين سياسي) يحميهم من السجون والمحاكم.
▪️الفرق بين الحالتين كبير جداً،المنشق الحقيقي يتحدث عن الوطن والضحايا والعدالة، أما المتحايل فيتحدث فقط عن نفسه ومستقبله وضمانات حمايته.
المنشق الصادق يقبل التحقيق والمحاسبة حتى لو قاتل لاحقاً مع الدولة، أما المخادع فيريد أن يتحول حمل السلاح مع جهة جديدة إلى شهادة براءة تلقائية.
المنشق الحقيقي يساعد في كشف الجرائم والشبكات والمخططات وطرق التمويل والانتهاكات، أما المتلاعب فيحاول دفن الملفات القديمة وإعادة إنتاج نفسه بصورة جديدة.
▪️لهذا فإن الدولة التي تبحث عن الاستقرار الحقيقي لا يجوز لها أن تخلط بين المصالحة والافلات من العقاب، فالسلام الذي يُبنى على تجاهل حقوق الضحايا يتحول إلى هدنة مؤقتة، لأن الجراح المؤجلة تعود لاحقاً بصورة أكثر عنفاً.
▪️التاريخ الإنساني كله يؤكد أن العدالة ليست عقبة أمام السلام، بل هي شرط أساسي لاستمراره.
البلدان التي تجاهلت الجرائم الكبرى باسم التسويات السياسية حملت بذور حروبها القادمة داخل اتفاقات السلام نفسها، أما الدول التي نجحت في تجاوز مآسيها فقد فعلت ذلك عبر معادلة دقيقة تجمع بين استيعاب من لم تتلطخ أيديهم بالدماء، ومحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات.
▪️لا أحد يرفض فتح باب العودة للوطن، فالوطن أكبر من الأحقاد، والدولة تحتاج أحياناً إلى تفكيك المليشيات عبر تشجيع الانشقاقات الفردية والجماعية، لكن فتح باب العودة لا يعني إغلاق أبواب العدالة.
▪️الذي لم يشارك في القتل أو النهب أو الاغتصاب أو التخطيط للجرائم يمكن استيعابه وفق ترتيبات واضحة تحفظ أمن الدولة والمجتمع، أما من تورط في الانتهاكات الكبرى فلا بد أن يخضع لتحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة، لأن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم ولا بالمساومات السياسية،والسودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل يحتاج أيضاً إلى تأسيس معنى جديد للدولة، دولة يشعر فيها المواطن أن دمه ليس رخيصاً، وأن العدالة لا تُشترى بالولاءات العسكرية، وأن تغيير الموقع السياسي لا يمحو الجرائم.
▪️ أخطر رسالة يمكن أن تُرسل للأجيال القادمة هي أن حمل السلاح ضد الوطن قد يتحول لاحقاً إلى طريق آمن للنفوذ والحصانة والإفلات من العقاب ،فالذي يرى المجرمين يتحولون إلى شخصيات محمية سيفقد ثقته في الدولة والقانون معاً، ولهذا فإن المعركة الحقيقية بعد الحرب لن تكون فقط معركة إعادة الإعمار، بل معركة بناء العدالة والذاكرة الوطنية وحماية حق الضحايا في الإنصاف.
الوطن الذي دُمّر له حق.
والمواطن الذي قُتل له حق.
والمرأة التي انتُهكت كرامتها لها حق.
والطفل الذي سُرقت طفولته وتعليمه واستقراره له حق 
ولا يجوز أن تضيع هذه الحقوق وسط ضجيج الانشقاقات والمزايدات والشعارات السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*