ريحة العيد..!
لأول مرة يمر عليَّ العيد الكبير وأنا أكتفي فقط بالنظر إلى لحوم الأضاحي، بعدما أصبحتُ نصف نباتي… بل شبه نباتي، لا عن قناعةٍ أو فلسفة غذائية، وإنما بسبب التحولات التي طرأت على حياتي بعد (تكميم المعدة)، فأصبحتُ مجبرًا لا مخيرًا.
في سنواتٍ مضت، كان العيد يبدأ برائحة الشية، ويكتمل بصاج اللحمة، وتزدحم التفاصيل باللمة والضحكات و”الشربوت“ الذي يوقظ الحنين قبل الشهية. أما اليوم، فقد اجتهدتُ أن أتذوق بعض الشية وشيئًا من لحمة الصاج، لكنني لم أستطع… وكأن المعدة أعلنت اعتزالها للحوم دون استشارتي.
العجيب أن الإنسان لا يكتشف تغيّره دفعةً واحدة، بل عبر مواقف صغيرة؛ قطعة لحم لا تُؤكل، فنجان شاي يحل محل فطور العيد، أو جلوس طويل لمشاهدة الآخرين وهم يمارسون طقوس العيد القديمة بحماسٍ افتقده.
العيد هذا العام هادئ بصورة غريبة… لا زحمة، لا ضجيج، ولا ذلك السباق المحموم بين “طقوس الشية” و”تقطيع اللحمة وتجهيز الفحم”. حتى الأحاديث نفسها بدت أخف، وكأن الجميع يقتصد في الفرح كما يقتصد في كل شيء آخر.
ومع ذلك، يبقى للعيد معنى لا يرتبط فقط باللحم والولائم، بل بالناس، وبالقلوب التي ما زالت تتبادل الدعوات الصادقة، وبالذكريات التي تُصر أن تحضر مهما تغيّرت الظروف.
ربما أصبحنا أقل قدرة على الأكل، وأقل حماسًا للزحمة، لكننا ما زلنا نبحث عن تلك الطمأنينة الصغيرة التي اسمها:
“ريحة العيد”.
#عمر_المونه


