بين ابن خلدون وواقع السودان

بين ابن خلدون وواقع السودان
  • 23 يوليو 2026
  • لا توجد تعليقات

د. الطيب حاج مكي

يُعد عبد الرحمن بن خلدون من أبرز المفكرين الذين حاولوا تفسير نشوء الدول وازدهارها ثم تراجعها وسقوطها، من خلال قوانين اجتماعية وسياسية تحكم العمران البشري، لا بمجرد سرد الأحداث التاريخية. ففي مقدمته الشهيرة، التي ألّفها في القرن الرابع عشر الميلادي، رسم دورة حياة الدولة منذ ميلادها وقوتها، مرورًا بمرحلة الاستقرار، وانتهاءً بمرحلة الشيخوخة والانهيار.
ومن أهم ما انتهى إليه أن الدولة، حين تبتعد عن العدل، تميل إلى تعويض ضعفها بالتوسع في الضرائب والجبايات، لكنها بذلك تقوض أسس بقائها بنفسها. فالجباية المفرطة تستنزف طاقات المجتمع، وتضعف الإنتاج، وتنفر المواطنين من دولتهم، وتحد من الاستثمار، فتتقلص الموارد التي كانت الدولة تسعى إلى زيادتها، ويتآكل رصيدها من الشرعية والثقة.
وعند إسقاط هذه الرؤية على الواقع السوداني، تبدو أفكار ابن خلدون وكأنها كُتبت لعصرنا. فقد أصبحت الرسوم والجبايات تلاحق المواطن في أدق تفاصيل حياته اليومية، كما تلاحقه المليشيات في أمنه واستقراره، يقظةً ومنامًا. ومن أحدث الأمثلة فرض رسوم على أنظمة الطاقة الشمسية، وهي الوسيلة التي اضطر المواطنون إلى اللجوء إليها لتعويض تدهور خدمات الكهرباء. وعندما تتحول الجباية من وسيلة لتمويل الخدمات العامة وتحقيق الاستقرار الاقتصادي إلى غاية في حد ذاتها، فإنها تصبح دليلًا على اختلال إدارة الاقتصاد، لا على قوة الدولة.
والنظريات الاقتصادية الحديثة تضيف بعدًا آخر لهذا النقاش. فالدولة التي تصدر عملتها الوطنية ليست كالفرد أو الشركة؛ إذ تمتلك سلطة إصدار النقود، ولذلك لا تحتاج إلى جمعها أولًا حتى تتمكن من الإنفاق بها. غير أن هذه الحقيقة كثيرًا ما يُساء فهمها. ففي أواخر عهد نظام الإنقاذ، ومع اشتداد أزمة شح السيولة، خاطب رئيس المجلس الوطني السابق، الفاتح عز الدين، المواطنين بقوله: «من بكرة سنطبع العملة رب رب رب». إلا أن إصدار النقود ليس عملية «رب رب» بلا حدود، فلكل اقتصاد سقف عملي للكتلة النقدية تحدده قدرته الإنتاجية وحجم السلع والخدمات المتاحة. فإذا تجاوزت طباعة النقود هذا السقف، تحولت الزيادة النقدية إلى تضخم، وفقدت العملة جزءًا من قيمتها، وتراجعت القوة الشرائية للمواطنين. فالعملة ليست ثروة في ذاتها، وإنما أداة للتبادل وقياس القيمة، وتستمد قوتها من قوة الاقتصاد وإنتاجه، لا من عدد الأوراق المطبوعة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت الدولة قادرة على إصدار عملتها، فلماذا تجمعها من المواطنين؟ والإجابة أن وظيفة الضرائب والجبايات لا تقتصر على تمويل الإنفاق العام، بل تشمل أيضًا تنظيم الطلب الكلي، وسحب جزء من السيولة عند الحاجة للحد من الضغوط التضخمية، وتعزيز الطلب على العملة الوطنية من خلال إلزام المواطنين بسداد التزاماتهم بها. أما الثروة الحقيقية للدولة فلا تُخلق بالجبايات، وإنما بالإنتاج.
ومن ثم فإن زيادة الإيرادات العامة لا تتحقق بإثقال كاهل المواطنين بالمزيد من الرسوم، وإنما بتوسيع القاعدة الإنتاجية في الزراعة والصناعة والخدمات، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة، وتحقيق التشغيل الكامل بحيث يجد كل مواطن قادر على العمل فرصة للإنتاج وكسب الدخل. فكل مصنع يعمل، وكل مزرعة تنتج، وكل مشروع جديد يُقام، يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني، ويوسع القاعدة الضريبية بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى ابتكار المزيد من الجبايات.
وإذا كان لهذا التحليل الاقتصادي نصيب كبير من الصحة، فإن ابن خلدون لم يقصر رؤيته على الاقتصاد وحده، بل امتدت إلى البعد الفكري والأخلاقي للدولة. ففي مراحل الصعود يتصدر أهل العلم والخبرة والكفاءة المشهد العام، أما في مراحل التراجع، فيتقدم أصحاب المصالح والانتهازيون، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، والمديح أهم من الحقيقة، ويُقصى أصحاب الرأي المستقل.
وفي هذا السياق تُستحضر العبارة المنسوبة إلى ابن خلدون: «إذا انهارت الدول كثر المنجمون والمنافقون والمداحون والمتفيقهون». وهي عبارة، وإن اختلف الباحثون في نسبة ألفاظها إليه، فإنها تعبر بدقة عن جوهر تحليله لمظاهر انحطاط الدول. فالواقع كثيرًا ما يعكس هذه الصورة؛ إذ يكثر المتفيقهون الذين يصدرون الأحكام والفتاوى وفق مصالحهم أو حساباتهم البنكية، لا وفق ميزان العلم والضمير، ويزداد حضور المداحين الذين يزينون الأخطاء، والشتامين الذين يستبدلون الحجة بالإساءة، ويجد الرويبضة مساحة واسعة للحديث في شؤون الأمة، بينما يتراجع صوت أهل الاختصاص.
ولا يقتصر خطر هؤلاء على تغبيش وعي الرأي العام، بل يمتد إلى دفع الدولة نحو أخطر صور الخلل، وهو الانشغال بمعالجة الأعراض وترك أصل الداء. فتُسوَّق الجبايات على أنها علاج للعجز الاقتصادي، وتُقدَّم طباعة النقود باعتبارها مخرجًا من الأزمات، وتُصوَّر الحلول المؤقتة وكأنها إنجازات، بينما تُهمَل الأسباب الحقيقية للأزمة، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج، واختلال العدالة، وتراجع الكفاءة في إدارة الدولة.
فالجباية ليست علاجًا لضعف الاقتصاد، وإنما أحد أعراضه. وزيادة الرسوم لا تُنشئ مصنعًا، ولا تستصلح أرضًا، ولا توفر وظيفة، ولا تجذب مستثمرًا. وكذلك فإن الإفراط في طباعة النقود لا يصنع نموًا اقتصاديًا، بل يؤدي إلى تآكل القيمة الشرائية للعملة إذا لم يكن مصحوبًا بزيادة مماثلة في الإنتاج الحقيقي.
وكما أن “الحكيم” لا يكتفي بخفض حرارة المريض ويترك المرض ينهش جسده، فإن الدولة الرشيدة لا تنشغل بتحصيل المزيد من الجبايات بينما تتراجع عجلة الإنتاج، ويهرب رأس المال، وتهاجر الكفاءات، كما لا تعالج أزماتها بطباعة المزيد من النقود في ظل اقتصاد راكد. فمطاردة الأعراض وترك جذور المشكلة ليست سياسة اقتصادية، بل روشتة لإطالة أمد الأزمة.
وعندما ينصرف الاهتمام إلى الهوامش ويُترك الجوهر، سينشغل الجميع بالوسائل، بينما يضيع الهدف ويستمر المرض ينخر في جسد الدولة.
وإذا كان ابن خلدون كتب “مقدمته” قبل أكثر من ستة قرون، فإن رسالته ما تزال صالحة لكل زمان. فالدول لا تسقط فجأة، وإنما تتآكل من الداخل عندما يختل ميزان العدل، ويُستبدل الإنتاج بالجباية، والكفاءة بالولاء، والحقيقة بالمديح. أما طريق النهوض فواضح ولا يبدأ بزيادة الرسوم، ولا بطباعة المزيد من النقود، وإنما بإحياء الإنتاج، وترسيخ العدالة، وإطلاق طاقات المجتمع، وبناء دولة تجعل الإنسان المنتج مصدر ثروتها الحقيقية، لا المواطن الذي تطارده الجبايات في كل خطوة يخطوها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*