صديق عبد الرحيم… الرجل الذي خلدته أنشودة «في القولد التقيت بالصديق»
يُعد صديق عبد الرحيم محمد الأمين واحدًا من أشهر الشخصيات الشعبية في الذاكرة التعليمية السودانية، لا لأنه كان سياسيًا أو أديبًا أو صاحب منصب عام، وإنما لأن طفولته وبيئته وأسرته أصبحت نموذجًا تعليميًا عرّف أجيالًا من التلاميذ بمدينة القولد وحياة أهلها ووسائل كسب العيش فيها.
الميلاد والنشأة
وُلد صديق عبد الرحيم عام 1926م في قرية هوشمار بمنطقة القولد في الولاية الشمالية. ويُقال إن اسم هوشمار يجمع بين العربية والنوبية، ويعني «حلة الحوش».
والده هو عبد الرحيم محمد الأمين، وينتمي إلى العوناب، وهي من الأسر القديمة في القولد. وكان صديق أصغر إخوته؛ ومن أشقائه محمد وحسن وعبد اللطيف، وله شقيقة تُدعى زينب. أما والدته فهي فاطمة محمد علي النوش، من أسرة النوش التي ترجع أصولها، بحسب الرواية المنشورة، إلى منصوركتي.
نشأ صديق في بيئة زراعية نيلية، وسط السواقي والنخيل والبساتين والحيوانات التي كانت تستخدم في إدارة الساقية. وكانت حياته اليومية نموذجًا طبيعيًا لحياة سكان شمال السودان في ذلك الزمن.
بعثة بخت الرضا إلى القولد
في عام 1937م زارت القولد بعثة تعليمية مرتبطة بمعهد بخت الرضا، ضمن مشروع لإعداد كتاب مدرسي عن جغرافية السودان وطرق معيشة سكانه، عُرف باسم «سبل كسب العيش في السودان».
تشير الرواية المتداولة إلى أن بعثة القولد ضمت المربي عبد الرحمن علي طه، والأستاذ مكي عباس، وأحد التربويين البريطانيين من أسرة سميث. وبعد التشاور مع عمدة القولد، وقع الاختيار على منزل أسرة عبد الرحيم محمد الأمين، ليكون ابنه صديق الشخصية التي يتعرف التلاميذ من خلالها إلى حياة أهل القولد.
وكان صديق وقتها طفلًا في نحو الحادية عشرة من عمره وتلميذًا بمدرسة القولد. وأقامت البعثة فترة مع أسرته، وسجلت جوانب الحياة الزراعية والاجتماعية، ومنها الساقية والطعام النوبي والزراعة على ضفاف النيل.
«في القولد التقيت بالصديق»
أصبح صديق بطل المقطع الأول من الأنشودة التي وضعها عبد الرحمن علي طه لتلخيص الرحلات التعليمية في أنحاء السودان:
في القولد التقيت بالصديق
أنعم به من فاضل صديقي
خرجت أمشي معه للساقية
ويا لها من ذكريات باقية
كانت الأنشودة جزءًا من كتاب «سبل كسب العيش في السودان»، الذي دُرّس لتلاميذ المدارس الأولية. وقد اعتمد الكتاب على زيارات ميدانية حقيقية قام بها عدد من أساتذة بخت الرضا إلى مناطق مختلفة من السودان. وكان الهدف أن يتعرف الطفل السوداني إلى بلاده من خلال أهلها وأعمالهم وبيئاتهم، من القولد وريرة والجفيل وبابنوسة إلى يامبيو ومحمد قول وود سلفاب وأم درمان وعطبرة.
وترمز الكابيدا الواردة في الأنشودة إلى طعام محلي يشبه القراصة، بينما تصور العبارة النوبية المصاحبة للساقية النداء الذي كان يوجه إلى الحيوان أثناء دورانه لتشغيلها. وبذلك لم يكن النص مجرد قصيدة، بل درسًا في الجغرافيا والزراعة واللغة والثقافة المحلية.
تعليمه وبداية اغترابه
تذكر الرواية المنشورة أن عبد الرحمن علي طه اقترح على والد صديق أن يصطحبه إلى بخت الرضا لمواصلة تعليمه، إلا أن الأسرة وبعض أعيان المنطقة فضلوا بقاءه في القولد.
وفي عام 1943م، وكان في نحو السابعة عشرة، غادر صديق إلى مصر. وأقام فيها حتى عام 1961م، وأكمل دراسته إلى المرحلة الثانوية، ثم عمل سائقًا في سفارة السودان بالقاهرة. وخلال عمله عرفه عدد من السفراء والدبلوماسيين، وكان اسمه مألوفًا لهم من الأنشودة التي درسوها في طفولتهم.
الهجرة إلى الولايات المتحدة
انتقل صديق عبد الرحيم بعد ذلك إلى الولايات المتحدة، وعمل في الملحقية الثقافية بسفارة السودان في واشنطن. وتشير السيرة المنشورة إلى أنه ظل في عمله حتى عام 1991م، حين أُحيل إلى التقاعد الإجباري.
وقد عاش في منطقة واشنطن سنوات طويلة، وظل معروفًا وسط السودانيين هناك باسم «صديقنا صديق في القولد». وتوجد شهادة منشورة لشخص ذكر أنه التقاه في واشنطن عام 1984، ووصفه بأنه كان من أجمل الناس معشرًا وأكثرهم ظرفًا.
زواجه وأبناؤه
تزوج صديق عبد الرحيم من ست البنات عثمان محمد نور، وأنجبا:
يوسف، خريج كلية الزراعة بجامعة الخرطوم.
كمال، درس علوم الحاسوب في جامعة بولاية إنديانا الأمريكية.
عائدة، خريجة علم النفس بجامعة النيلين.
عواطف، خريجة إدارة الأعمال من كلية الأحفاد الجامعية.
وفاته ومكان دفنه
تتفق المصادر المتاحة على أن صديق عبد الرحيم توفي عام 1998م، لكنها تختلف في مكان الوفاة؛ فبعض المقالات ذكرت أنه توفي في الولايات المتحدة، بينما تفيد السيرة الأكثر تفصيلًا بأنه غادر أمريكا بعد التقاعد، وعاد إلى القاهرة وتوفي فيها، ثم نُقل جثمانه إلى السودان ودُفن في مقابر الصحافة بالخرطوم. ولذلك ينبغي إثبات سنة الوفاة، مع إبقاء مكانها بحاجة إلى توثيق أسري أو رسمي نهائي.
قيمته في الذاكرة السودانية
لم يصنع صديق عبد الرحيم شهرته بنفسه، وإنما خلدته فلسفة تعليمية كانت ترى السودان وطنًا واحدًا متعدد البيئات والثقافات. فقد تعرف التلميذ من خلاله إلى القولد والساقية والنخيل والطعام النوبي، ثم انتقل في الأنشودة إلى رعاة الإبل ومناطق الصمغ والمزارعين والصيادين وعمال السكك الحديدية.
وبذلك صار صديق عبد الرحيم رمزًا لمرحلة كان فيها المنهج الدراسي يربط الطفل بأرضه ومجتمعه، ويقدم التنوع السوداني بوصفه مصدرًا للمعرفة والمحبة، لا سببًا للانقسام.
رحم الله صديق عبد الرحيم، ابن القولد الذي دخل الكتاب المدرسي طفلًا، ثم بقي اسمه حيًا في ذاكرة السودانيين أكثر من ثمانية عقود.


