أغنيات الزمن الجميل… حين يصبح الماضي آخر ملاذٍ للمخيلة السودانية(الجزء الثاني)

أغنيات الزمن الجميل… حين يصبح الماضي آخر ملاذٍ للمخيلة السودانية(الجزء الثاني)
  • 30 يوليو 2026
  • لا توجد تعليقات

د. الوليد آدم مادبو

غير أن هذا التفسير، على وجاهته، لا يكفي وحده. فلو كانت الحرب وحدها هي السبب، لكانت كل المجتمعات التي عرفت الحروب قد استجابت بالطريقة نفسها. والحال أن بعض المجتمعات تخرج من الكارثة وهي أكثر تعلقًا بماضيها، بينما تخرج مجتمعات أخرى وهي أكثر تعطشًا لاختراع مستقبل مختلف. فما الذي يجعل السودان، في هذه اللحظة التاريخية، يميل إلى الاستذكار أكثر من الابتكار؟
لعل الإجابة تبدأ من الطريقة التي يتغير بها تصور المجتمع للمستقبل. فالناس لا يتوقفون عن الحلم بسهولة، لكنهم يغيرون اتجاه أحلامهم حين يفقدون الثقة بالغد. وهذا ما التقطه عالم الاجتماع زيغمونت باومان حين صاغ مفهوم «اليوتوبيا الرجعية» (Retrotopia). فقد لاحظ أن المجتمعات التي يتآكل يقينها بالمستقبل لا تتخلى عن نزعتها اليوتوبية، وإنما تنقلها من الأمام إلى الخلف. فبدل أن يصبح الغد هو موطن الرجاء، يتحول الأمس إلى الفردوس المفقود، لا لأنه كان كاملًا، بل لأنه يبدو، بالمقارنة مع حاضر مضطرب ومستقبل مجهول، أكثر قابلية للسكن وأكثر أهلية لاحتضان الأحلام.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثير من التحولات التي شهدها الوجدان السوداني خلال السنوات الأخيرة. فالحرب لم تهدم البيوت، ولم تشتت الأسر، ولم تعطل مشروع الانتقال المدني فحسب، بل أصابت المستقبل نفسه في مقتل. صار الغد مكانًا محفوفًا بالخوف، لا يصلح لإيداع الأمنيات، وأصبح الحديث عن المستقبل يبدو، أحيانًا، نوعًا من المغامرة العاطفية. وعندما يغدو المستقبل موضع ريبة، لا يجد الأمل أمامه إلا أن يهاجر إلى الماضي. وهكذا لا يعود الماضي مجرد ذكرى جميلة، بل يصبح مشروعًا للخلاص، وتتحول الذاكرة من سجل لما كان إلى بديل عما يمكن أن يكون.
غير أن السياسة ليست سوى جزء من الحكاية. فثمة بعد نفسي أكثر عمقًا يفسر لنا لماذا تبدو المجتمعات الجريحة أكثر ميلًا إلى الاحتماء بذاكرتها. فقد درس الطبيب والمحلل النفسي فاميك فولكان المجتمعات التي عاشت نزاعات طويلة، ولاحظ أن كثيرًا منها يعيد بناء هويته الجماعية حول ما سماه «الصدمة المختارة»؛ أي الجرح الذي يصبح، مع مرور الزمن، مركزًا تدور حوله الذاكرة المشتركة.
ولا يعني ذلك أن المجتمع يختار مأساته بإرادته، وإنما يعني أنه يجعل منها نقطة ارتكاز لفهم نفسه والعالم من حوله. فالجرح المشترك يمنح الناس قصة واحدة، ولغة واحدة، وشعورًا بوحدة المصير. وهو، من هذه الناحية، يوفر قدرًا من التماسك النفسي قد لا يوفره النقد الذاتي أو مراجعة الأخطاء. ولهذا تميل المجتمعات المصدومة إلى استدعاء لحظات الألم أكثر من ميلها إلى مساءلة نفسها، لأن الحزن يوحد الصفوف أسرع مما يفعل النقد، ولأن استعادة الماضي أقل كلفة، من الناحية النفسية، من إعادة النظر فيه.
لكن هذا كله لا يفسر وحده سبب التعلق الاستثنائي بالتراث الفني والأدبي في السودان. فهنا تبرز طبقة ثالثة من التفسير، تتعلق بالعلاقة التي تقيمها الثقافة مع موروثها. فقد رأى محمد عابد الجابري أن التراث يتحول إلى عائق حين يكف عن أن يكون موضوعًا للحوار، ويصبح سلطة مغلقة تفرض نفسها على الحاضر. ولم يكن اعتراضه على التراث في ذاته، وإنما على الطريقة التي نتعامل بها معه، حين نرفعه إلى منزلة الكمال، فنكف عن مساءلته أو استكماله.
وسار جورج طرابيشي في الاتجاه نفسه، لكنه أضاف بعدًا نفسيًا بالغ الأهمية. فالمشكلة، في نظره، لا تكمن في النصوص وحدها، بل في العقل الذي يخشى إعادة فتح الأسئلة القديمة، ويعامل كل مراجعة بوصفها تهديدًا للهوية. أما أدونيس، فقد نقل النقاش إلى الحقل الجمالي، حين لاحظ أن الثقافة قد تبلغ مرحلة يصبح فيها الاحتفاء بالنماذج الموروثة أكبر من الرغبة في إنتاج نماذج جديدة. وعندئذ لا يختفي الإبداع، بل يفقد ثقته بنفسه، ويتحول التراث من منبع يغذي الخيال إلى سقف يحد من حركته.
ولعل هذا ما يفسر جانبًا من المشهد الثقافي السوداني اليوم. فليست المشكلة أن السودانيين ما زالوا يغنون للكاشف ووردي وعثمان حسين ومصطفى سيد أحمد، فهذه الأعمال أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية، ومن الطبيعي أن تبقى حاضرة في الوجدان. المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك الأعمال، من نقطة انطلاق، إلى نقطة وصول؛ ومن مصدر للإلهام، إلى بديل عن الإبداع؛ ومن جذور تستمد منها الثقافة غذاءها، إلى سقف لا تجرؤ على تجاوزه.
وهكذا تتداخل هذه المستويات الثلاثة في تفسير الظاهرة. مستقبل فقد الناس ثقتهم به، وجرح جماعي أعاد تشكيل الهوية، وتراث أصبح، في كثير من الأحيان، موضوعًا للاحتفاء أكثر من كونه مادة للإضافة. وعندما تجتمع هذه العناصر معًا، يصبح مفهومًا لماذا تزداد الأغنيات القديمة حضورًا، ولماذا تبدو الذاكرة أكثر خصوبة من الخيال.
لكن الصورة لا تقف عند هذا الحد. فكما أن في السودان من يحرس الذاكرة، فإن فيه أيضًا من يحاول أن يفتح لها نافذة تطل على المستقبل. وهذا هو الوجه الآخر من الحكاية، وربما يكون وجهها الأكثر أهمية.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*