المؤثر… ثقافة المشافهة وهيمنة الحكاية الشعبية والأسطورة
يُحكى أن قرية صغيرة استيقظت ذات صباح على خبر عجيب رجل غريب ظهر في أطرافها، يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، ويقول لكل من يقترب منه إن الصندوق يخفي سرًا قادرًا على تغيير مصير القرية.
لم يرَ أحد الصندوق مفتوحًا، ولم يعرف أحد ماذا بداخله، لكن الخبر انتشر من بيت إلى بيت، ومن مجلس إلى مجلس. صار الناس يتحدثون عن الرجل أكثر مما يتحدثون عن أنفسهم، وتعددت الروايات حول صندوقه؛ قال أحدهم إن بداخله ذهبًا، وزعم آخر أنه يحمل خريطة لكنز قديم، وأقسم ثالث أن الرجل جاء من مدينة بعيدة بحثًا عن قبر ملك مفقود.
▪️جلس شيخ القرية مساءً في مجلسه، فسأل أحد الرواة:
— هل رأيت ما في الصندوق؟
قال الرجل:-
— لم أره.
— وهل رأى أحد من أهل القرية ما فيه؟
أجاب:
— لا أظن.
ابتسم الشيخ وقال:-
— وكيف صدقتم الحكاية إذن؟
فقال الراوي:
— لأن الناس تحب الحكايات التي تجعل المجهول أكثر إثارة من الحقيقة.
▪️وفي صباح اليوم التالي، تجمع أهل القرية حول الغريب. طلبوا منه أن يفتح الصندوق.
ابتسم الرجل، ورفع الغطاء ببطء، فإذا الصندوق فارغ.
ساد الصمت.
ثم قال الغريب:-
— لم أحمل في هذا الصندوق شيئًا. حملت فيه سؤالًا واحدًا: هل تصدقون ما ترونه، أم تصدقون ما تسمعونه؟
غادر الرجل القرية، لكنه ترك وراءه شيئًا أثمن من الذهب: ترك درسًا ظل يتناقله الناس سنوات طويلة.
وهكذا، لم يكن الصندوق هو الحكاية؛ الناس أنفسهم كانوا الحكاية.
▪️فما إن تنتقل الكلمة من فم إلى أذن، حتى تبدأ رحلتها في التغير. يضيف إليها أحدهم خوفًا، ويمنحها آخر بطولة، ويكسوها ثالث بثوب الأسطورة، ثم تعود إلى الناس وقد صارت شيئًا آخر تمامًا.
▪️ومن هذه المنطقة القديمة، منطقة الكلمة المنطوقة والحكاية المتناقلة، ولد واحد من أقدم أشكال التأثير الإنساني: الراوي.
من الراوي إلى المؤثر
قبل أن تعرف البشرية الصحيفة والكتاب والمذياع والتلفزيون والهاتف والشبكات الاجتماعية، كانت الكلمة تمشي على قدمين.
كان الراوي هو الصحيفة، والمجلس هو المنبر، والذاكرة هي الأرشيف، والحكاية هي الوسيلة التي تنتقل بها المعرفة والتجربة والتحذير والقيم من جيل إلى جيل.
▪️لم تكن المجتمعات القديمة تملك أدوات الاتصال الحديثة، لكنها امتلكت شيئًا بالغ القوة: الإنسان القادر على الكلام والتأثير والإقناع.
ذلك الإنسان كان يجلس بين الناس، فيروي قصة عن بطل شجاع، أو عن رجل خدعه الطمع، أو عن امرأة أنقذت قومها بحكمة، أو عن مخلوق غامض يسكن جبلًا بعيدًا، ثم يترك الحكاية تعمل داخل عقول المستمعين.
▪️وهنا تكمن جذور مفهوم المؤثر, فالمؤثر، في جوهره العميق، ليس اختراعًا رقميًا. وسائل التواصل الحديثة صنعت له أدوات جديدة، لكنها لم تصنع جوهره.
جوهر المؤثر قديم قدم الاجتماع البشري نفسه، إنه الشخص الذي يملك القدرة على تحريك انتباه الآخرين، وتشكيل تصوراتهم، والتأثير في مشاعرهم، ودفعهم إلى تبني فكرة أو موقف أو سلوك.
▪️تغيرت الوسيلة، وبقي الإنسان..كان المؤثر القديم يقف وسط قومه ويتحدث، فأصبح المؤثر المعاصر يقف أمام كاميرا صغيرة ويتحدث إلى ملايين البشر…كان الراوي يحتاج إلى مجلس، أما المؤثر اليوم فقد يحتاج إلى هاتف.
ظل ولفترات زمنية طويلة صدى الحكاية يصل إلى قرية، أما صدى المنشور الرقمي فقد يعبر القارات خلال دقائق.
وهنا بدأت الحكاية القديمة ترتدي ثوبًا جديدًا.
ثقافة المشافهة… المدرسة الأولى للوعي
▪️المشافهة ليست مجرد طريقة للكلام، بل منظومة ثقافية كاملة، فالمجتمع الشفهي يحفظ جزءًا كبيرًا من ذاكرته عبر الرواية والسماع والتكرار. تنتقل الأخبار والقصص والأمثال والأشعار والأنساب والتجارب من الأفواه إلى الآذان، ثم تستقر في الذاكرة الجماعية.
▪️تلك الثقافة صنعت مكانة استثنائية للمتحدث والراوي.
فمن يمتلك حسن العبارة، وقوة الحضور، وذاكرة واسعة، وقدرة على الإقناع، يستطيع أن يحتل موقعًا مؤثرًا داخل الجماعة.
كان الراوي يعرف متى يرفع صوته، ومتى يخفضه، ومتى يتوقف، ومتى يترك المستمعين معلّقين على جملة لم تكتمل.
كان يعرف أن الحكاية لا تحتاج دائمًا إلى كثرة المعلومات، وإنما تحتاج إلى حسن ترتيب المعلومات.
▪️ومن هنا نشأت مهارة سردية عظيمة سبقت علوم الإعلام الحديثة بقرون طويلة.
الراوي الجيد لا ينقل الحدث فحسب؛ بل يعيد بناءه داخل خيال السامع…يمنح الشخصية ملامح، ويمنح المكان رائحة، ويمنح الخوف ظلًا، ويمنح البطولة موسيقى، ثم يترك المستمع يعيش القصة بدل أن يسمعها فقط.
▪️وهذه هي القوة الحقيقية للحكاية،فالحكاية أقوى من المعلومة
▪️قد تنسى رقمًا سمعته صباحًا، وقد تنسى اسمًا مر بك في حديث عابر، لكنك قد تحمل قصة سمعتها في طفولتك طوال حياتك والسبب أن العقل البشري لا يتعامل مع المعلومات والحكايات بالطريقة نفسها.
المعلومة تخاطب المعرفة، بينما الحكاية تخاطب المعرفة والخيال والعاطفة والذاكرة معًا.
لهذا ظل الإنسان يحكي.
يحكي لكي يتذكر.
ويحكي لكي يحذر.
ويحكي لكي يفسر.
ويحكي لكي يخيف.
ويحكي لكي يسلّي.
ويحكي لكي يمنح الأحداث معنى.
▪️ومن أعمق وظائف الحكاية أنها تمنح الإنسان قدرة على فهم العالم المعقد من خلال قصة قابلة للحفظ والتداول.
قد يصعب على طفل أن يفهم مفهوم الخيانة، لكنه يفهم قصة الصديق الذي خان صديقه.
وقد يصعب شرح معنى الشجاعة في تعريف مجرد، بينما تكفي حكاية بطل وقف وحده أمام الخطر، وهكذا تحولت الحكايات الشعبية إلى مستودعات للقيم الاجتماعية.
▪️الأسطورة… محاولة الإنسان الأولى لتفسير المجهول
وسط هذا العالم الشفهي ظهرت الأسطورة…والأسطورة، في سياقاتها الثقافية المختلفة، جاءت بوصفها محاولة بشرية لفهم أشياء استعصت على التفسير المباشر مثل نشأة الكون، أسرار الطبيعة، الموت، البرق والرعد، الفيضانات، الكسوف، الجبال، البحار، والظواهر التي كانت تتجاوز قدرة الإنسان المعرفية في مراحل تاريخية مبكرة.
▪️فإذا عجز الإنسان عن تفسير ظاهرة، نسج حولها قصة.
وإذا تكرر الحدث، أضاف إليه معنى، وإذا انتقلت القصة بين الأجيال، اكتسبت تفاصيل جديدة…ومع مرور الزمن، يمكن أن تتحول الحكاية من رواية بسيطة إلى منظومة رمزية متكاملة، وهنا تظهر قوة الأسطورة: إنها تمنح المجهول وجهًا.
البرق يصبح غضبًا سماويًا.
البحر يصبح مملكة خفية.
الجبل يصبح مسكنًا لقوى غامضة.
والبطل يتحول إلى شخصية تتجاوز حدود الإنسان العادي.
لكن الأسطورة لا ينبغي أن تُقرأ دائمًا باعتبارها مجرد حكاية غير حقيقية؛ فهي تحمل داخلها طبقات من المخيال (االمخاوف الخيالية) الجمعي والرموز والقيم والمخاوف والتصورات التي عاشتها المجتمعات التي أنتجتها.
▪️ومن هذه الزاوية، تصبح الأسطورة وثيقة ثقافية تكشف الكثير عن الإنسان الذي صنعها.
الراوي… حارس الذاكرة وصانع الصورة
كان الراوي الشعبي يمتلك سلطة ناعمة لا تحتاج إلى منصب.
لا يحمل مرسومًا، ولا يقف خلف مؤسسة، ولا يحتاج إلى ختم رسمي…يكفي أن يجلس الناس حوله…سلطته تنبع من الثقة، ومن الذاكرة، ومن قدرته على صناعة المشهد بالكلمات.
وقد يكون الراوي صادقًا، وقد يبالغ، وقد يخلط الحقيقة بالخيال، وقد يتعمد صناعة الإثارة.
▪️لكن المستمعين لا يستقبلون الكلام بالطريقة نفسها.
بعضهم يبحث عن المعرفة، وبعضهم يبحث عن المتعة، وبعضهم يبحث عن تفسير لما يعجز عن فهمه، وبعضهم يريد حكاية تمنحه إجابة جاهزة.
وهنا تتشكل واحدة من أخطر الظواهر في ثقافة المشافهة
كلما تكررت الرواية، اكتسبت قوة اجتماعية، حتى لو لم تكن صحتها قد ثبتت.
فالتكرار يصنع الألفة، والألفة قد تمنح الرواية شعورًا بالصدق.
ومن هنا نشأت كثير من المقولات الشعبية والأمثال والحكايات التي بقيت حية رغم اختلاف الناس حول أصلها وصحتها.
من الحكاية الشعبية إلى الشائعة
ثمة خيط دقيق يصل بين الحكاية الشعبية والشائعة.
الحكاية قد تبدأ بواقعة صغيرة، ثم تتضخم عبر التداول.
يقول شخص ما:-
(سمعت أن…)
ثم يقول آخر:-
(هناك من يؤكد أن…)
ثم تتحول الرواية إلى:-
(الناس كلهم يتحدثون عن…)
وفي النهاية يصبح انتشار الخبر دليلًا على صحته في أذهان بعض الناس…وهذه إحدى أخطر مشكلات المشافهة.
▪️الانتشار لا يساوي الحقيقة.
والتكرار لا يصنع البرهان.
وكثرة القائلين لا تمنح الرواية تلقائيًا صفة الوثيقة…فالمشكلة أن العقل البشري يميل إلى الاطمئنان لما يسمعه بصورة متكررة، خصوصًا إذا جاء من شخص يحظى بالثقة أو المكانة.
وهنا يظهر المؤثر مرة أخرى.
فالمؤثر يستطيع أن يكون جسرًا للمعرفة، كما يستطيع أن يكون قناة للخطأ.
ولعلنا قد وصلنا مؤخرا الى عصر المؤثر الحديث… راوي العصر الرقمي فقد دخلنا فعلا عصرًا جديدًا من المشافهة.
▪️قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن وسائل الاتصال الرقمية أعادت للإنسان شيئًا من ثقافة الكلام المباشر…الفيديو القصير، والبث المباشر، والبودكاست،..والمحادثات الصوتية، والمقاطع الشخصية، كلها أعادت الصوت والوجه والحضور الإنساني إلى قلب عملية الاتصال.
▪️وهكذا لم يعد الجمهور يكتفي بالنص المكتوب.
إنه يريد أن يرى المتحدث، ويسمع نبرته، ويتابع انفعاله، ويقرأ ملامحه.
▪️عاد الراوي من جديد ولكن هذه المرة يحمل هاتفًا ذكيًا.
المجلس أصبح منصة…والحكاية أصبحت مقطعًا ،والجمهور أصبح بالملايين ، والانتقال الذي كان يحتاج إلى أيام أو أسابيع أصبح يحتاج إلى ثوانٍ.
▪️هذه النقلة رفعت قيمة المؤثر، لكنها رفعت معها مسؤوليته أيضًا وتبدو قوة المؤثر في صناعة القناعة لأن
المؤثر الحقيقي لا يغير السلوك بالكلمات المباشرة وحدها.
إنه يصنع إطارًا ذهنيًا يرى الناس من خلاله الأشياء. فقد يعرض قضية واحدة بطريقة تجعلها تبدو مأساة، ثم يعرض القضية نفسها بطريقة أخرى فتبدو إنجازًا. فالحدث واحد، لكن الحكاية مختلفة.
وهنا تكمن قوة السرد…فالناس لا يتفاعلون مع الواقع مجردًا، وإنما يتفاعلون مع الصورة التي تتشكل داخل عقولهم عن الواقع.
لهذا كان أصحاب النفوذ عبر التاريخ يحرصون على امتلاك الرواية.
▪️من يملك الرواية يستطيع أحيانًا أن يحدد البطل والضحية والعدو والصديق،،وقد يصبح الحدث الواحد حكايتين متناقضتين، تبعًا لمن يرويه.
ومن هنا يمكن فهم خطورة المؤثر عندما يتحول من ناقل للرأي إلى صانع للواقع الذهني.
المؤثر بين الحقيقة والإثارة
المشكلة تبدأ عندما يكتشف المؤثر أن الحقيقة الهادئة أقل جذبًا من الحكاية المثيرة.
الجملة المتزنة قد تمر دون اهتمام.
أما العنوان الصادم فيستوقف العيون…والخبر المثير ينتشر أسرع من التفسير الهادئ.
والقصة التي تحتوي على صراع وخوف ومفاجأة وخيانة وانتصار تجذب الجمهور أكثر من تقرير طويل مليء بالأرقام.
وهنا يظهر إغراء كبير وهو
أن يتحول المؤثر من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن التفاعل.
ومن خدمة الجمهور إلى استرضاء الجمهور…ومن تقديم المعرفة إلى صناعة الإثارة.
▪️وعندما يصبح عدد المشاهدات هو المعيار الأعلى، يمكن أن تتحول الحكاية إلى سلعة…وقد يصبح المبالغ أكثر نجاحًا من الدقيق…والصاخب أكثر حضورًا من العارف.
والمدعي أكثر شهرة من المتخصص.
فالأسطورة في ثوبها جديد
لم تختفِ الأسطورة القديمة الابتطور ادواتها فهي مازالت تسيطر على حياتنا حياتنا الحديثة.
▪️لقد تغيرت فقط أشكالها
كانت الأسطورة القديمة تتحدث عن أبطال خارقين وآلهة ومخلوقات غامضة، أما الأسطورة الحديثة فقد تظهر في صورة قصة عن نجاح مذهل بلا مقدمات، أو ثروة تحققت في أيام، أو وصفة سحرية للنجاح، أو شخصية تُقدَّم للجمهور باعتبارها تعرف كل شيء.
▪️وقد تُصنع حول بعض المؤثرين هالة تجعلهم أكبر من حقيقتهم…تتحول الشخصية إلى رمز، وتتحول العبارة إلى حكمة.
وتتحول التجربة الشخصية إلى قانون عام، وتتحول القصة الفردية إلى وصفة يطلب من الملايين اتباعها.
▪️وهنا تعود الأسطورة من الباب الخلفي…إنها لا ترتدي دائمًا ثوب الخرافة الصريحة؛ أحيانًا ترتدي ثوب النجاح المبالغ فيه.
السؤال الذي يفرض نفسه هو
لماذا نحب الحكايات؟ والإجابة هي :- ان الإنسان لا يعيش بالعقل وحده.
▪️نحن نحتاج إلى المعنى، والمعنى غالبًا يأتي في صورة قصة.
نحب أن نعرف البداية والنهاية.
نحب البطل والخصم.
نحب المفاجأة.
نحب أن نرى الإنسان ينتصر بعد المحنة…ونحب أن نجد تفسيرًا لما يحدث حولنا.
▪️الحكاية تمنح الفوضى شكلًا.
وتمنح التجربة بداية ووسطًا ونهاية، ولهذا تستطيع قصة قصيرة أن تبقى في الذاكرة سنوات، بينما تختفي عشرات الصفحات من المعلومات من الذاكرة بعد وقت قصير.
ويبقى مهما ان نعرف ان حياتنا تظل تتنقل بين المؤثر و المسؤولية فكلما اتسعت دائرة تأثير الشخص، اتسعت مسؤوليته.
▪️المؤثر الذي يخاطب عشرة أشخاص يستطيع أن يخطئ في نطاق محدود…أما من يخاطب مليونًا، فإن خطأه قد يتحول إلى موجة.
▪️ومن يملك القدرة على صناعة القناعة، ينبغي أن يمتلك قدرًا موازيًا من التثبت…ومن يمتلك منصة جماهيرية لا ينبغي أن يتعامل معها باعتبارها لعبة شخصية.
الكلمة قد ترفع إنسانًا.
وقد تحطم سمعته.
وقد تصنع خوفًا.
وقد تشعل خصومة.
وقد تمنح أملًا.
وقد تدفع مجتمعًا إلى موقف كامل.
▪️ولهذا يصبح السؤال الأهم..
أي نوع من المؤثرين نريد؟
هل نريد راويًا يبحث عن التصفيق؟ أم راويًا يبحث عن الحقيقة؟..هل نريد شخصًا يطارد الترند؟..أم شخصًا يترك أثرًا؟
فالشهرة لحظة، أما الأثر فذاكرة.
▪️المؤثر الذي يستحق أن يُسمى مؤثرًا هو ذاك المؤثر الحقيقي فهو لا يقاس بعدد المتابعين وحده وإنما بمقاييس اضافية اخرى
▪️قد يملك شخص ملايين المتابعين ولا يترك فيهم سوى ضجيج عابر…وقد يملك آخر جمهورًا محدودًا، لكنه يزرع في عقولهم فكرة تغير حياتهم.
التأثير الحقيقي يقاس بما يبقى بعد انتهاء الكلام…بما يتغير في الوعي…بما يتحسن في السلوك.
بما ينمو من أسئلة…بما يستيقظ من ضمير.
▪️المؤثر العظيم هو الذي يجعل الإنسان أكثر قدرة على التفكير، لا أكثر استعدادًا للتقليد.
يمنح الناس أدوات السؤال بدل أن يقدم لهم إجابات مغلقة.
يعترف بحدود معرفته.
يفصل بين الحقيقة والرأي.
يميز بين الرواية والوثيقة.
ويعرف أن الكلمة أمانة قبل أن تكون وسيلة للشهرة.
▪️ ما زال الراوي جالسًا في مجلسه..ربما تغير العالم أكثر مما نتخيل، لكن الإنسان بقي جالسًا أمام الحكاية…كان يجلس قديمًا حول نار صغيرة، يصغي إلى شيخ يحكي عن مملكة بعيدة أو بطل غاب في الصحراء.
ثم جلس في مجالس المدن والأسواق…ثم فتح الصحيفة.
ثم استمع إلى المذياع…ثم جلس أمام التلفزيون.
واليوم يحمل الشاشة في يده، ويصغي إلى آلاف الرواة في اليوم الواحد…تغيرت النار، وتغير المجلس، وتغيرت المسافة، لكن الحكاية بقيت.
▪️وهنا تكمن مفارقة عصرنا
لقد امتلك الإنسان أكبر ترسانة معرفية في تاريخ البشرية، ومع ذلك ما زال قادرًا على أن يصدق حكاية لمجرد أنها رويت بطريقة جميلة.
▪️فالحكاية لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون صحيحة لكي تنتشر؛ يكفي أن تكون جذابة.، أما الحقيقة، فتحتاج إلى شيء أصعب بكثير…تحتاج إلى عقل يسأل.
▪️ومن هنا تبدأ مهمة المؤثر الحقيقي وهي ان يدرك أن الناس لا يستمعون إلى صوته وحده؛ إنهم يبنون من كلماته جزءًا من صورتهم عن العالم.
وأن كل رواية يطلقها قد تصبح غدًا حكاية يتناقلها آخرون.
وربما تصبح بعد سنوات جزءًا من الذاكرة العامة.
▪️لهذا ينبغي للمؤثر أن يتذكر دائمًا أن الراوي القديم لم يكن يملك سوى صوته، أما راوي العصر الرقمي فقد أصبح يملك قدرة هائلة على عبور الحدود والبيوت والعقول، فإذا جعل من صوته جسرًا للحقيقة، أصبح مؤثرًا يستحق الاحترام.
وإذا جعل منه مصنعًا للوهم، أصبح مجرد حلقة جديدة في سلسلة الحكايات التي تبدأ صغيرة، ثم تكبر حتى ينسى الناس السؤال الأول ..من قال الحكاية؟ وهل كانت صحيحة أصلًا؟


