في الغربة… لماذا نخاف من بعضنا؟
لماذا أصبح بعضنا، حين يسمع أن السائق سوداني، أو الطبيب سوداني، أو صاحب العمل سوداني، يتردد قبل أن يقول: نعم؟
لماذا أصبحت عبارة:
«ده سوداني؟ لا لا…
تتردد أحيانًا بيننا؟
السؤال مؤلم، لأنه لا يتعلق بالسائق أو الطبيب أو صاحب المهنة، وإنما يتعلق بشيء أعمق:
هل بدأت الثقة بين السودانيين في الغربة تتآكل؟
أقول بعضنا، ولا أعمم.
فما زالت هناك مواقف عظيمة، وقصص لا حصر لها لسودانيين وقفوا مع بعضهم في المرض، والموت، والغربة، وضيق الحال، دون سابق معرفة أو انتظار مقابل.
لكن في المقابل، هناك تجارب مؤلمة.
نصب، احتيال، استغلال للثقة، ووعود لم تُحترم، وأمانات ضاعت.
وقد تكون تجربة واحدة كافية لأن تجعل إنسانًا يقول بعدها:
«أنا ما بتعامل مع السودانيين!»
وهنا تبدأ المشكلة.
لأن الإنسان حين يتأذى، يميل إلى التعميم.
لكن هل من العدل أن يدفع الملايين ثمن خطأ شخص؟
هل نعاقب السودان بأخطاء بعض أبنائه؟
لا.
الذي أساء إليك هو المسؤول عن إساءته، وليس كل سوداني.
والذي خان ثقتك لا يمثل شعبًا كاملًا.
والذي نصب عليك لا يملك حق أن يجعلك تكره سودانيتك.
نحن في الغربة أحوج ما نكون إلى بعضنا.
فالغربة، مهما كانت مريحة، تظل غربة.
وفي لحظة ضعف، قد تكون كلمة من سوداني، أو وقفة من سوداني، أو مجرد شعور بأن أمامك شخصًا يفهم لهجتك وذاكرتك وأوجاع وطنك… شيئًا لا تستطيع ملايين الكلمات أن تعوضه.
لكن هذا لا يعني أن نكون ساذجين.
حسن الظن لا يعني إلغاء العقل.
والثقة لا تعني أن تفتح بابك لكل أحد.
تعامل، وتحقق، واحفظ حقوقك، ووثق معاملاتك، وضع حدودًا واضحة.
لكن لا تجعل الحذر يتحول إلى كراهية.
ولا تجعل تجربة سيئة واحدة تمحو عشرات التجارب الجميلة.
أحسن الظن يا زول!
إذا وجدت سودانيًا سيئًا، لا تقل:
«السودانيين كلهم كده.»
قل:
«هذا سوداني أساء التصرف.»
فالفرق كبير بين الاثنين.
وإذا وجدت سودانيًا أمينًا، شهمًا، كريمًا، صادقًا، فلا تعتبر ذلك أمرًا عاديًا.
قدّم له الاحترام الذي يستحقه.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد ثقتنا ببعضنا، لا بالكلام، وإنما بالسلوك.
إذا أخطأ أحدنا، ننصحه.
إذا ظلم، نقف ضده.
إذا احتال، لا نتستر عليه.
وإذا أحسن، نشكره ونذكر محاسنه.
فالمجتمع لا يحمي قيمه بالصمت عن السيئين، ولا بالتعميم على الجميع.
بل يحميها حين يحاسب السيئ ويكرّم الجيد.
والسوداني في الغربة يحمل معه صورة وطنه، شئنا أم أبينا.
تصرفه قد يجعل شخصًا يقول:
«السودانيون ناس طيبين.»
وقد يجعل آخر يقول عكس ذلك.
فكن أنت الصورة التي تفتخر أن يراها الآخرون.
كن أمينًا في تجارتك.
صادقًا في وعدك.
محترمًا في تعاملك.
شهمًا عند الحاجة.
ولا تستغل ثقة أخيك السوداني لمجرد أنه وثق بك.
لأن أخطر ما يمكن أن نخسره في الغربة ليس المال…
بل الثقة.
وحين نخسر الثقة بيننا، تصبح الغربة أقسى.
أما حين نستعيدها، فإن السوداني حين يلتقي بالسوداني في أي مكان في العالم، لا ينبغي أن يشعر بالخوف…
بل ينبغي أن يشعر أنه التقى أخًا من وطن بعيد.
الوطن اليوم ينزف، والحرب تركت آثارها في النفوس، والاقتصاد أنهك الناس، والغربة صنعت أجيالًا جديدة تحمل معها كثيرًا من المخاوف والتجارب.
لكن السودان ليس الحرب فقط.
وليس الاقتصاد المنهك.
وليس النماذج السيئة.
السودان أيضًا:
شهامة… ومروءة… وكرم… ونخوة… ونجدة… و«يا زول أنا أخوك».
هذه القيم لا يجب أن تموت لأن بعضنا أساء استخدامها.
فالشمس قد تغيب، لكنها لا تموت.
وكذلك أخلاق الشعوب.
لذلك أقول لكل سوداني في الغربة:
لا تكن ساذجًا… ولكن لا تكن خائفًا.
احذر… ولكن لا تكره.
اختبر الناس… ولكن لا تحكم عليهم قبل أن تعرفهم.
وإذا وجدت سودانيًا جيدًا…
فلا تجعله يدفع ثمن أخطاء غيره.
وأخيرًا…
ارفع رأسك… أنت سوداني.
واجعل سلوكك في الغربة يقول للناس:
نعم..
ما زال في السودان خير كثير.
مع خالص محبتي…
سوداني وأقتخر……
#عمر_المونه
#أرفع_رأسك_فأنت_سوداني
#السودانيين_في_الغربة
#شهامة_السودانيين


