السودان هل ينهض من تحت الركام ؟

السودان هل ينهض من تحت الركام ؟
  • 31 أغسطس 2025
  • لا توجد تعليقات

مساعد النويري

إهداء
إلى وطني الجريح، إلى ترابٍ سقاه الآباء بدمائهم، وحملناه نحن على أكتافنا أمانة ثقيلة. إلى السودان الذي يسكن فينا قبل أن نسكن فيه، والذي نراه في وجه كل طفلٍ حافي، وفي دمعة كل أمٍّ ثكلى، وفي تنهيدة كل شيخٍ هرم. إليك يا وطني أكتب، وبين يديك أضع هذه الكلمات ، لعلّها تكون بعض وفاءٍ لعظيم عطائك.

السودان، تلك الأرض الرحبة التي امتدت في قلب إفريقيا، لم يكن يومًا مجرد رقعة جغرافية، بل كان تجربة حضارية وفكرية، ومعملًا لتاريخٍ مليء بالمعاناة والنصر، بالانكسار والنهضة. هذا الوطن الذي جمع النيلين في حضنه، وحمى على مرّ العصور شعوبًا وثقافات متنوعة، لم يعرف الاستكانة يومًا، ولم يستسلم للظلام. ومن هنا، تبدأ الحكاية الكبرى ، السودان بين ذاكرة الأمس ورهانات الغد .

إن النظر إلى تاريخ السودان يكشف أمامنا لوحة متشابكة من الأحداث التي تشكلت فيها روح الأمة السودانية. من الثورة المهدية التي مثلت انتصار الإرادة على الطغيان، إلى الاستعمار الذي حاول تفكيك النسيج الاجتماعي، إلى الاستقلال الذي كان بداية حلمٍ طويل، مرورًا بالانقلابات والحروب الأهلية التي مزّقت الأرض والنفوس، نجد أن السودان لم يغب يومًا عن وعي أبنائه، بل ظل حاضرًا في كل دعاء، في كل قصيدة، في كل مثل شعبي يرددونه  البلد البتبلع ولدا ما بتخت كرعو . فالمعاناة ليست نهاية الطريق، بل هي اختبارٌ للأمة وقدرتها على النهوض.

وإذا كانت الفاشر اليوم مثالًا حيًا للصمود، فهي في الحقيقة مرآة السودان كله. فكل ما يواجهه هذا الوطن من تحديات، تجسده الفاشر في شوارعها، في قلوب مقاتليها، وفي دعوات أمهاتها وأطفالها. حين نرى الفاشر تصارع الموت، فإننا نرى السودان يقاوم الانقسام، ويقاوم الفوضى، ويقاوم كل ما يحاول أن يمحو حضارته وتاريخه. الصمود ليس هنا مجرد مقاومة للأعداء، بل هو بيان للعقل الوطني، وللإرادة السودانية التي تعلمت منذ القدم أن الكرامة لا تُباع ولا تُستباح.

ولكي نفهم عمق الأزمة الراهنة، لا بد من النظر إلى السودان بوصفه كيانًا مركبًا، تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا. الحرب، النزاعات، الانقسامات، والهجرة القسرية ليست مجرد أحداث معزولة، بل هي نتيجة تراكمية لقرارات سيئة، ولغياب العدالة الاجتماعية، ولاضطراب الحكم، ولغياب الرؤية الوطنية الجامعة. التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تتجاهل دروس الماضي، تجد نفسها عالقة في حلقة مفرغة من المعاناة، وأن الشعوب التي تفقد الأمل في المؤسسات الوطنية، تصبح فريسة سهلة للأطماع والفساد.

إن التحليل الموضوعي للوضع الراهن في السودان يبرز حقيقة مؤلمة وهي أن البلاد، رغم ثرائها الطبيعي والبشري، تقف اليوم على حافة الهاوية. وليس سبب هذا الانحدار في الموارد أو الجغرافيا، بل في فشل الإدارة، وتآكل الثقة بين المواطن والدولة، وغلبة الانقسام على الوحدة. ومع ذلك، يظل في السودان بذور الحياة، كما في كل أرضٍ خصبة، تنتظر موسم الحصاد لتنهض من تحت الركام.

الشعر السوداني، بما يحمل من صرخة وجدان وذاكرة تاريخية، يعكس هذه الحقيقة بجلاء. فقد كتب من قال

نقاتل دون أرضٍ لا نباعُ
ونحفظ عهدها حتّى يذاعُ

هذه الأبيات ليست مجرد كلمات، بل هي انعكاس لتجربة الأمة السودانية في الكفاح المستمر. فالأرض التي تسقط على أهلها قنابل الحروب، لا تموت في قلوبهم، والدموع التي تسيل على وجنات النساء، تتحول إلى قوة دفع للنهوض من جديد. هنا، تكمن العبقرية السودانية: القدرة على تحويل الألم إلى مقاومة، والمعاناة إلى طاقة لإعادة البناء.

إن الفاشر اليوم هي جزء من هذا النسيج، وهي تعكس بشكل حيّ تحديات السودان الكبرى. المدينة التي تواجه المعاناة وتصارع الموت، لا تختلف في جوهرها عن كل المدن السودانية الأخرى التي واجهت الحروب والفوضى. الفاشر رمز للهوية، رمز للكرامة، رمز لوطن لا يستسلم مهما تكالبت عليه الصعاب. ومن خلال هذا الرمز، يمكن قراءة السودان كله : أنه أرض الصمود، أرض الإرادة، أرض لا تعرف الانكسار.

لكن النهوض من تحت الركام يحتاج إلى أكثر من شجاعة ومقاومة. إنه يحتاج إلى رؤية وطنية واضحة، إلى قيادة قادرة على تجاوز الانقسامات، إلى سياسات تعيد الثقة بين المواطن والدولة، وإلى برامج تنموية تعالج الفقر والبطالة والهجرة القسرية. كما يحتاج إلى استحضار القيم الأخلاقية والاجتماعية التي شكلت أساس الهوية السودانية: الشجاعة، الصبر، التضامن، والوفاء.

وقد قال الإمام الصادق المهدي: إن الأمة لا تنهض إلا بوعيها وقيمها. وهذه المقولة اليوم تجد صداها في كل مدينة سودانية تواجه التحديات، وفي كل عائلة تحمل الألم والأمل معًا. فالنهوض ليس مجرد شعار، بل هو فعل، وهو خيار، وهو التزام بالوطن وبالمستقبل.

وهنا تظهر أهمية الثقافة والفكر في بناء السودان الجديد. التعليم، الإعلام، الأدب، والفنون كلها أدوات لإعادة تكوين وعي المجتمع، لترسيخ قيم الوطنية، وتعزيز الانتماء، وإحياء روح المبادرة. فالأمة التي تهمل فكرها وثقافتها، تفقد الطريق، وتصبح ضحية للجهل والفوضى. والسودان، بتاريخ أجياله المتعاقبة، يعرف أن الثقافة ليست رفاهية، بل هي سلاح للبقاء والنهوض.

كما أن تحليل الوضع الاقتصادي والاجتماعي يعكس صورة معقدة. فالحروب والانقسامات أدت إلى تدهور البنية التحتية، وتراجع الإنتاج، وتفاقم البطالة، وتهجير الملايين. ومع ذلك، يظل السودان غنيًا بالموارد الطبيعية، وبشعب قادر على العمل والإبداع. وهنا تكمن المعضلة: كيف يمكن تحويل هذا الغنى والإمكانات إلى قوة للنهوض، بدل أن تتحول إلى سبب للصراع والانقسام؟ الإجابة تتطلب استراتيجية شاملة، تقوم على العدالة الاجتماعية، والحكم الرشيد، والمساءلة، وتمكين المواطن من المشاركة الفاعلة في صنع القرار.

ولننظر إلى المستقبل بعين العقل والتفكير الاستراتيجي. السودان أمامه خياران: إما أن ينهض من تحت الركام، مستفيدًا من دروس الماضي، مستحضرًا قيمه، ومنظّمًا ذاته، ومتحالفًا مع كل القوى الوطنية، أو أن يظل في دوامة الصراعات، متشتتًا، متقهقرًا، متخبطًا في أزمات لا تنتهي. ورهانات الغد ليست مجرد احتمالات نظرية، بل هي انعكاس لخيارات اليوم، لكل فرد، لكل مؤسسة، ولكل قيادة.

ولكي يكون السودان قادرًا على النهوض، لا بد من استثمار التاريخ كمرجع، لا كماضٍ يؤلم. التاريخ يعلّمنا أن الأمم التي تستفيد من أخطائها تنهض، وأن الشعوب التي تصنع من معاناتها وقودًا للمستقبل، تحقق المعجزات. الفاشر، بمقاومتها، تعلمنا هذه الحقيقة: أن النصر ممكن، وأن العزّة ليست مجرد كلمة، بل فعل وممارسة وصمود.

ويظل الرهان الأكبر على الشعب نفسه، على وعيه، على قدرته على تجاوز الانقسامات، وعلى تصميمه على إعادة بناء وطنه. فالحرية والديمقراطية والتنمية ليست هدايا، بل هي جهود متراكمة، وتضحيات متواصلة، وخطط مدروسة. وكل يوم يمضي دون فعل وطني هو يوم يقترب فيه السودان من المزيد من الانحدار، وكل خطوة مدروسة نحو الإصلاح هي خطوة نحو النهضة.

إن السودان، بكل ما يمر به من محن وأزمات، ما زال يمتلك القدرة على النهوض من تحت الركام. الفاشر ليست سوى نموذج مصغر لهذا الوطن الكبير: مدينة تصارع الموت لتبقى، شعب يتحدى الانكسار ليستمر، وطن يسعى لإعادة بناء ذاته رغم كل الخراب. والنهوض يتطلب التزامًا جماعيًا، وعقلًا واعيًا، وقيمًا راسخة، وقيادة وطنية حقيقية، ووعيًا شعبيًا بالمسؤولية تجاه الذات والوطن.

إن رهانات الغد للسودان ليست مجرد توقعات، بل هي انعكاس لخيارات اليوم، لكل مواطن، لكل مؤسسة، ولكل قيادة. والنصر والنهضة ممكنان إذا استثمر الشعب كل إمكاناته، وإذا وضعت القيادة الوطنية مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وإذا توحدت الإرادات على هدف واحد: السودان الحر، المستقل، الموحد، الصامد، المشرق من جديد.

وهنا يظل قول الإمام الصادق المهدي حاضرًا
الأمة التي تصنع تاريخها بوعيها، هي التي تنتصر على محنتها. والفاشر، والشعب السوداني كله، اليوم، يكتبون هذا التاريخ في كل مقاومة، في كل دعاء، في كل دمعة، وفي كل خطوة نحو المستقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*