الهشابة في هوج الرياح

الهشابة في هوج الرياح
  • 01 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

دكتور. عبد الرحيم سعيد بابكر

تعظمت قيمة بعض المحاصيل في السودان الحديث مثل:(القطن والصمغ العربي). فالأول نال حظوته من خلال بناء الإنجليز لخزان مكوار “سنار” وبالتالي تدفقت المياه لري مشروع الجزيرة الشهير بزراعة القطن طويل التيلة. أما محصول الصمغ العربي فهو محصول غابي، لا يحتاج لهندسة القنوات أو الري الانسيابي. فشجرة الهشاب شجرة “عصامية” لا تحتاج للرعاية أو الري، فقط يكفيها موسم الأمطار للنمو ومواجهة أشهر الجفاف.
تمتاز الهشابة بإنتاج الصمغ الكردفاني المعروف عالمياً بجودته العالية ونقاءه المميز، واحتوائه على نسبة ألياف (90%)، حيث يقوم المنتجون بجرح اغصان الشجرة، في بداية شهر نوفمبر وتسمى تلك العملية “بالطق”، وبعد حوالي أسبوعين من ذلك يبدأ موسم جني الصمغ، أو يمكننا ان نسمي الصمغ مجازاً “دموع الهشابة”. ويبذل المنتجون جهدا ومعاناة هائلة في عمليتي “الطق” وجمع المحصول، وذلك لأن الهشابة تحمي نفسها بأشواك عدائية حادة.
ويتم شراء المحصول من المنتجين بمعدل (1,385 دولار امريكي)/طن، في حين يبيع الوسطاء من الشركات والتجار المحصول الخام بمبالغ تتراوح بين (2700 -2950 دولار)/طن، وهذا يمثل فرق فادح على حساب المنتج. أما الفروقات الأكثر فداحة فتأتي من عمليات التصنيع والمعالجة والتغليف حيث يمكن للمعامل التي تقوم بتلك العمليات أن تبيع الطن بمعدل (8000-12000 دولار)، في حين تفشل الحكومات المركزية والإقليمية في انشاء معامل لتقوم بتلك الإجراءات. (هناك معامل في دولة الإمارات العربية المتحدة – الشارقة وكذلك معامل في جمهورية مصر)، وأيضا هناك معامل صغيرة في الخرطوم بحري، في حين فشلت مناطق الإنتاج عن انشاء تلك المعامل والتي تكلف من 15 الى 20 مليون دولار فقط. والصمغ من أكثر المحاصيل الخاضعة للتهريب وبالتالي فقدان الدولة والمنتج المسكين للقيمة المضافة.
عجزت الولايات المتحدة الأمريكية من ضم محصول الصمغ الى قائمة المحصولات الممنوع استيرادها من السودان، وذلك بضغط قوي من شركات المشروبات الغازية وشركات الأدوية وشركات التجميل، لذلك نحن ندعو حكومة الإقليم والحكومة المركزية على اعتبار شجرة الهشاب شجرة قومية استراتيجية.
وفي ظل هذه الحرب تتعرض شجرة الهشاب الى القطع الجائر من قبل الأطراف المتحاربة، وذلك لاستخدام اخشابها في الطهي، بالإضافة الى الضغط الذي تتعرض له من قبل القرويين، لاستخدامها في الطهي أو استخراج الفحم منها.
الحلول لإنقاذ هذه الشجرة الاستراتيجية يتمثل في قانون صارم بعد الحرب يحرم قطعها، ويجيز عقوبات على من ينتهك ذلك القانون، مع تحمل الحكومة الإقليمية تكاليف توفير معدات وغاز الطبخ للمواطنين بأسعار في متناول الجميع. واطلاق برامج توعية يكون أحد اضلاعها الإدارة الاهلية. بالإضافة الى برامج استزراع تلك الشجرة بالتعاون مع الاتحاد الأوربي، والذي قام بتجربة ناجحة  في منطقة (الحميرة) شمال الابيض ومنطقة (الدموكية) شمال شرق الأبيض، وتسويق برامج الاستزراع للمحافظة على الشجرة لكبرى الشركات المستفيدة من انتاج الصمغ.
وأخيرا، فإن المحافظة على هذا المورد الاستثنائي تحتاج الى وعي رسمي وشعبي، واذكر هنا تجربة سلطنة عمان في إعادة استزراع أشجار اللبان العماني الشهير بعد ان تصحرت موائله. والجيد في الأمر ان شجرة الهشاب سريعة النمو وخلال (36) شهرا فقط تطرح انتاجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*