البروفيسور محمد أحمد عبد الله: مسيرة عطاء تنطلق من مدرسة القيم
لا تمثل سيرة البروفيسور محمد أحمد عبد الله مجرد نجاح مهني لطبيب مرموق، بل هي شهادة حية على إنسان صاغته التربية الأصيلة والبيئة السودانية المترعة بالقيم. ترتكز علاقتنا بالبروفيسور على جذور أسرية ودينية ضاربة في التاريخ، امتدت عبر الأجيال من الأجداد (الشيخ تور بلول والشيخ تور الشرق) وصولاً إلى الآباء، لتستمر عرى هذه العلاقة متينة بفضل العمل المجتمعي المشترك.
تشرّب البروفيسور معاني الانضباط والتواضع في “خلوة” جده الشيخ عثمان فقيري، وتعلّم آداب الخدمة وتحمل المسؤولية في “ديوانه” العامر. هذا التكوين المبكر جعله قائداً بالفطرة منذ صباه، حيث ساهم في تأسيس روابط الطلاب في الستينيات، محولاً بيت أسرته، بفضل رعاية والدته السيدة فاطمة فقير (أم الجميع)، إلى شعلة نشاط ثقافي واجتماعي، في إطار فاعل لخدمة التعليم، وتنفيذ الأنشطة الثقافية والمسرحية، ومعالجة قضايا المجتمع، إذ لم تكن تلك الأنشطة ترفًا، بل أدوات وعي وتغيير، ومدرسة حقيقية في العمل العام.
لم يغير الطب من جوهره، بل ظل وفيّاً لأهله؛ فكان منزله في الإجازات عيادةً مفتوحة، وكان في الخرطوم مرشداً ومستقبلاً للطلاب، وفي الاغتراب قائداً للعمل الأهلي. كان البروف حاضرًا، وفي مقدمة وصميم العمل الأهلي من خلال جمعيات وروابط المنطقة، حيث أسهم مع رفاقه في إنجاز مشاريع تنموية ذات أثر مستدام، مثل: بناء وتطوير المدارس، وتوصيل المياه والكهرباء إلى عدد كبير من القرى. وتوسعت اهتماماته بدعم الخدمات الصحية، فكان أحد المبادرين لإنشاء مستشفى السير الريفي، والاستمرار في تشغيله، حيث تولى رئاسة لجنتها في الخارج.
وامتد العطاء إلى التعليم العالي بدوره الكبير ومساهمته في إنشاء جامعة دنقلا، بدءًا بكليتي الزراعة والطب، ولا يزال دعمه متصلًا لكلية الطب عبر عضويته في مجلس إدارتها، إلى جانب دوره ومساهماته في إنشاء وتطوير مركز الشيخ الجميح بدنقلا (مركز الجميح لغسيل الكلى، مركز الجميح لأمراض السكرى ومركز الأبحاث بجامعة دنقلا) كما امتدت مساهماته لمستشفيات أخرى في المنطقة.
هذا العطاء لم يكن ليتحقق لولا وجود سندٍ ثابت، تمثل في شريكة دربه السيدة روضة محمد عثمان، التي هيأت له مناخ الاستقرار والصبر. إنَّ ما يميِّز “أبا أحمد” هو ذلك الاتساق الداخلي المدهش؛ فالرجل الذي عرفناه في “الديوان” هو ذاته البروفيسور في المحافل الدولية، لم تبدله الألقاب ولم تغيِّره المواقع.
إننا اليوم لا نكرم طبيباً فحسب، بل نكرم مسيرة وفاء بدأت من الطفولة وتوجت بخدمة الناس، سائلين الله أن يجعل علمه وعمله في ميزان حسناته.
جزى الله القائمين على هذا التكريم خير الجزاء، ووفّقنا جميعًا لأن نكون دوماً أوفياء لأهل العطاء.


