الإثنين - 17 رجب 1447 هـ , 05 يناير 2026 م

قوى مدنية سودانية تُعلن “ميثاق القاهرة” لوقف الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي

التصرف الأمريكي الأخرق واعتقال الرئيس الفنزويلي… ترامب يتجاوز الأخلاق والأعراف الدولية ويحرج المنظمات الدولية

التصرف الأمريكي الأخرق واعتقال الرئيس الفنزويلي… ترامب يتجاوز الأخلاق والأعراف الدولية ويحرج المنظمات الدولية
محجوب الخليفة

▪️ العلاقات الدولية ليست  ساحةً للمغامرات الشخصية ولا مسرحًا لاستعراض القوة المنفلتة من القيود الأخلاقية والقانونية. ما يُنسب إلى الإدارة الأمريكية، في سياق التعامل مع القيادة الفنزويلية، يعيد إلى الواجهة سؤالًا خطيرًا حول حدود السلطة الأمريكية، وحدود ما يمكن لدولة كبرى أن تفعله خارج إطار الشرعية الدولية، من ملاحقات وتهديدات وادعاءات بالاعتقال تتجاوز كل ما استقر عليه الضمير القانوني العالمي.
▪️هذا السلوك، سواء اتخذ صورة اعتقال فعلي أو محاولة فرض ملاحقة خارج الحدود، لا يمكن قراءته كحادثة منفصلة، بل بوصفه حلقة جديدة ضمن سلسلة سوابق أمريكية متكررة انتهكت سيادة دول، ووضعت رؤساء دول وحكومات تحت مقصلة السياسة الأمريكية، وكأن القانون الدولي خيار انتقائي يُفعَّل وفق المصلحة ويُعطَّل عند التعارض معها.
الخطورة لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في الرسالة التي يُبثّها إلى النظام الدولي برمّته. رسالة تقول إن القوة تعلو على القانون، وإن النفوذ يسمح بتجاوز ما عجزت المؤسسات الدولية عن منعه أو محاسبة فاعليه.
▪️بهذا المعنى، يصبح التصرف الأمريكي إشارة مفتوحة أمام قوى كبرى أخرى، أو دول صاعدة تمتلك أدوات الضغط، لتبني النهج ذاته، ما يهدد بتحويل العلاقات الدولية إلى غابة سياسية لا مكان فيها للسيادة أو الحصانة أو التوازن.
القانون الدولي لم يُنشأ عبثًا، بل جاء نتاج تجارب إنسانية قاسية، وحروب مدمرة، وانتهاكات أدرك العالم بعدها أن ضبط القوة ضرورة لا ترف. تجاهل هذه المنظومة يعني تقويض الأسس التي قام عليها النظام العالمي الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
▪️من أبرز القوانين والأعراف الدولية التي جرى تجاهلها أو الالتفاف عليها:-
— مبدأ سيادة الدول المنصوص عليه بوضوح ضمن ميثاق الأمم المتحدة، والذي يقر بحق كل دولة إدارة شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي أو إكراه سياسي أو أمني.
— مبدأ عدم التدخل، أحد أعمدة القانون الدولي، والذي يحظر على أي دولة التدخل القسري أو القضائي بشؤون دولة أخرى، خاصة عبر ملاحقة قيادتها السياسية.
— الحصانة السيادية لرؤساء الدول، وهي قاعدة مستقرة عرفيًا وقانونيًا، تقضي بعدم جواز إخضاع رئيس دولة قائم للمساءلة الجنائية أمام محاكم دولة أخرى.
— مبدأ الاختصاص القضائي الإقليمي، الذي يمنع تمديد القوانين الوطنية خارج الحدود إلا ضمن شروط صارمة واستثنائية متفق عليها دوليًا.
— قرينة البراءة والإجراءات القانونية السليمة، التي تُنتهك عبر إصدار أحكام سياسية مسبقة وتوظيف القضاء أداة ضغط لا مؤسسة عدالة.
— احترام دور المؤسسات الدولية، لا سيما الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بوصفها المرجعية المخولة قانونيًا لمعالجة النزاعات بين الدول.
▪️هذا التجاوز الفجّ لا يحرج الولايات المتحدة وحدها، بل يضع المنظمات الدولية أمام امتحان قاسٍ. صمت هذه المؤسسات، أو عجزها عن اتخاذ موقف حازم، يُضعف مصداقيتها، ويجعلها تبدو كديكور قانوني عاجز أمام إرادة القوة. الأسوأ من ذلك أن هذا الصمت يُغري الآخرين بتكرار التجربة، مستندين إلى سابقة أمريكية وفّرت الغطاء السياسي والأخلاقي للفوضى السياسة الأمريكية، خاصة خلال حقبة ترامب، أظهرت ميلًا واضحًا لتحويل القانون الدولي إلى أداة ضغط انتقائية، تُستخدم ضد الخصوم وتُهمل عند المساس بالحلفاء. هذا المنهج لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد فكرة النظام الدولي ذاتها، ويفتح الباب أمام عالم متعدد الأقطاب تحكمه منطق الغلبة لا منطق القانون.
▪️الخلاصة أن ما جرى، أو ما يُلوّح به، ليس مجرد خلاف سياسي أو نزاع دبلوماسي عابر، بل سابقة خطيرة تضرب جوهر العلاقات الدولية. استمرار هذا النهج يعني شرعنة الفوضى، وتقويض مبدأ السيادة، وتمهيد الطريق لعصر تعود فيه الاعتقالات السياسية العابرة للحدود أداةً مشروعة بيد الأقوى.
العالم اليوم بحاجة إلى إعادة الاعتبار للقانون، لا إلى مزيد من الاستقواء. فالدول الكبرى، قبل غيرها، مطالبة بالالتزام بالأعراف التي صاغتها، وإلا فإنها تكون أول من يهدم البيت الذي احتمت به البشرية طويلًا من جنون القوة.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور