لماذا تدعم إثيوبيا قوات الدعم السريع وتعمل على تمكينه من مناطق النيل الأزرق ..؟

لماذا تدعم إثيوبيا قوات الدعم السريع وتعمل على تمكينه من مناطق النيل الأزرق ..؟
  • 17 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

حيدر التوم خليفة


هل هو إذعان إثيوبي كامل للأوامر الإماراتية الإسرائيلية، أم تنفيذ لسياسة الخنق المائي لمصر، مقابل الخنق الحدودي الذي تعاني منه أثيوبيا …؟
أي حرب سيشعلها أبي أحمد في المنطقة قد تقود إلى تفكيك الفيدرالية الإثيوبية ..

واضح أن الأمور في منطقة شرق أفريقيا، وغرب البحر الأحمر، بما فيها الصومال، تتجه نحو التصعيد، نتيجة للتدخل الإماراتي في المنطقة، والذي عملت السعودية في الأيام الماضية على تحجيمه، ونجحت في طردها من اليمن ومن جهات أخرى داخل المنطقة، مقروناً بتداعيات الصراعات الإثيوبية العرقية الداخلية، ومصحوباً بحالة الاختناق البحري التي تعيشها إثيوبيا، ومحمولاً على رافعة الأطماع الإسرائيلية، وسباق القواعد العسكرية، وكل هذا بالتأكيد سوف يغير من قواعد اللعبة، ويعيد تشكيل التحالفات السياسية على ركيزتين أساسيتين هما:
… أمن البحر الأحمر بوصفه واحداً من أهم الممرات المائية، أي التحالفات العسكرية
… وتصفير الخلافات بين دول المنطقة بخلق مشاريع تكاملية مشتركة، لإبعاد المنطقة من الصراع الخارجي، أي التكامل الاقتصادي ..
ودول المنطقة تعلم أن دخولها في صراع إقليمي، سوف يفتح الباب واسعاً أمام التدخل لدول طامعة من خارج المنطقة ..
كما تعلم أن أي خلافات بلا حل سلمي، ستؤدي حتماً إلى تغيير الخارطة الجيوسياسية لدول المنطقة، لأسباب عدة، أهمها:
… صراع القوميات داخل الدولة الواحدة، وهو أمر تعاني منه معظم دول المنطقة، معبراً عن هشاشة الوضع الداخلي الذي قد يقود إلى حروب أهلية، وتشظي الدول وتقسيمها، خاصة وأن هناك أمثلة حية لنتائج الحروب الأهلية لدولتين استقلتا بعد حروب داخلية طاحنة، وهما دولة إريتريا من إثيوبيا، ودولة جنوب السودان من السودان، وأن هناك دولة أرض الصومال في حكم الدولة المستقلة، إضافة إلى أن السودان مرشح للانقسام مرة أخرى، وكذا إثيوبيا ..
… الخلافات الحدودية بين هذه الدول، وهو موروث من الحقبة الاستعمارية، جعلها كأنها تجلس على برميل بارود ..
… التداخل القبلي الحدودي الذي يضعف سلطة الدولة المركزية ..
إضافة إلى عامل آخر تعاني منه دولتان من الدول التي لها علاقة مباشرة بمشاكل المنطقة وحروبها الحالية، وهو الإغلاق الحدودي، الذي تعاني منه دولتَا إثيوبيا وجنوب السودان، واللتان تعيشان حالة من الخنق الاقتصادي الحاد لعدم وجود منافذ لهما على الممرات المائية الدولية ..
وهما دولتان لهما ارتباط مباشر ومهم بجغرافيا المنطقة، ويؤثران بشدة في مجال حيوي آخر، وهو ملف المياه، والذي يمكن أن يسبب حالة من الخنق المائي خاصة لدولة مصر، حالة مماثلة بل تفوق حالة الخنق الحدودي الذي تعاني منه إثيوبيا وجنوب السودان ..
ومن الواضح أن أثيوبيا بدأت بتحريك هذا الملف خدمة لأهدافها، وبدعم وتحريض لا تخطئه العين من دول أخرى لهما مصلحة في خنق مصر مائياً، وهما دولة إسرائيل أصالة ودولة الإمارات وكالة، بوصفهما دولتين وظيفيتين تعملان لصالح بيوتات المال العالمية ومراكزه الخفية، والشركات العابرة للقارات، وكارتيلات السلاح، والمجموعات العائلية التي تسعى للسيطرة على موارد العالم ..
وتحديداً فإن تحركات أبي أحمد الحالية، وسعيه إلى تسخين المنطقة، تقف وراءه الإمارات خدمة لمصالحها المُهددة بالتمدد السعودي، الدولة الساعية إلى فرض نفسها كقوة مؤثرة في المنطقة ..
ومن جهة أخرى فإن أبي أحمد يهدف إلى تحريك ملف الموانئ، والخروج من حالة الخنق الحدودي التي جعلت من دولة بحجم إثيوبيا، وبتعداد سكانها الذي يلامس المائة وعشرين مليون نسمة أو يزيد، متفوقة على مصر سكانياً، جعلها رهينة المحبسين، المحبس الحدودي الداخلي، ومحبس الدول المعادية لها التي تحيط بها من جهات ثلاث …
وواضح أن أبي أحمد استخدم ورقة سد النهضة ضد مصر تحديداً (الخنق المائي) في مقابل (الخنق الحدودي)، فهو يعرف حجم مصر وقوة تأثيرها على دول المنطقة، ومقدرتها على حل مشكلة المنافذ بالنسبة لإثيوبيا، وطي الملفين، أي أنه ينتهج استخدام ملف المياه لدفع مصر إلى التدخل لدى الدول المشاطئة للبحر الأحمر، لضمان وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر بلا عوائق، بل تمليكها ميناء تحت إدارتها الكاملة …
أما تدخله في السودان، فيفهم من سياق الضغط الإسرائيلي/الإماراتي عليه من جانب، ومن جانب آخر بعث أطماع الحبشة القديمة في السودان، خاصة في أراضي الفشقة والبطانة وامتداداتها حتى مدينة ود مدني، كحقوق تاريخية كما يدعون ..
وهنا أعتقد أن أبي أحمد قد غفل عن عامل مهم جداً لن يكون في صالحه، وهو هشاشة التركيبة القومية للفيدرالية الإثيوبية، والتي تتكون من ثمانين قومية متشاكسة متحاربة، وأكبرها قوميات الأورومو بنسبة ٣٥٪، والأمهرا بنسبة ٢٦٪، والتقراي بنسبة ٧٪، وأن كل هذه القوميات الآن تحارب ضده ..
وفي الحرب السابقة ضد جبهة تحرير التقراي، كادت عاصمته أديس أن تسقط، بعد أن وصلت قوات التقراي إلى مسافة سبعين كلم منها، لولا الدعم الإماراتي العاجل ممثلاً في طائرات بيرقدار المسيرة التركية، علماً بأن تركيا اليوم تقف في الجانب المعادي له، إذا اختار خوض حرب ضد السودان ومصر ..
وأعتقد أن أبي أحمد قد ذهب بعيداً في مغامراته غير المحسوبة، وذلك بفتح معسكرات وممرات للدعم السريع لمهاجمة إقليم النيل الأزرق، وهو صرة الأمن المائي لمصر، فهل لا يعرف أن ذلك سيدفع السودان إلى تسليح قومية بني شنقول السودانية المنتشرة داخل الحدود الحبشية التي نتجت عن اتفاقية ١٩٠٢، وهي المنطقة التي يقع عليها سد النهضة حالياً …
كما أن السودان سوف يقدم تسهيلات لوجستية وعسكرية كبيرة لثوار إقليم الأمهرا، بقيادة جبهة فانو، لطرد قوات الجيش الإثيوبي والزحف نحو أديس، وذات الأمر يمكن أن يحدث مع ثوار جبهة تحرير التقراي، مما يتيح لهم حصار قوات الجيش الإثيوبي من جهتي الشمال والشمال الغربي، ومن الجنوب الغربي من قوات بني شنقول، ومن الغرب من قوات الأمهرا، ومن الوسط من قوات جبهة تحرير الأورومو، ومن الشرق من جبهة تحرير العفر، وهو وضع مناسب لتفكيك إثيوبيا، خاصة وأن دستورها يعطي القوميات حق الاستقلال الكامل والخروج عن الدولة الفيدرالية ..
إن محاولة أبي أحمد إشعال إقليم النيل الأزرق سوف تفتح عليه أبواب جهنم، ويقود إلى تطبيق الخنق الكامل، مما يعني عدم وصول أي إمداد عسكري عبر البر إليه، ولو تقدمت قوات التقراي نحو أديس سوف يصبح المجال الجوي في خطر، وإذا أعلن حرباً ضد السودان أو مصر، سوف يتم إخراج كل مطارات إثيوبيا من الخدمة في الساعات الأولى، وهنا لن تسعفه الإمارات أو غيرها ..
كما أن قوات الدعم السريع الموجودة داخل إثيوبيا بالقرب من حدود السودان، سوف تكون هدفاً سهلاً لسلاح الجو في مصر والسودان بوصفهم تهديداً وجودياً لأمن مصر المائي، أيضاً سوف يتم حسمهم بمشاة جنود الجيش السوداني، والقوات الشعبية المستنفرة لقبائل التماس المرابطة هناك، فهذا رهان خاسر ..
وهو يدرك أن السودان ومصر لا يسعيان إلى تحقيق أمنهما المائي بتدمير السد (فهذا خيار فات وقت تنفيذه)، ولكن بإسقاط حكمه، وإحلال نظام بديل متعاون معهما، أو ربما تتطور الأمور وتتعقد، وتستجد عوامل تؤدي إلى تفكيك الفيدرالية الإثيوبية إلى عدة دول، وهو السيناريو الأقرب للتحقق على أرض الواقع …
وإذا قرأ أبي أحمد التاريخ جيداً لعلم أن التغيير في حكم إثيوبيا دائماً ما يأتي من الغرب، من السودان، فالقوات التي دخلت أديس أبابا منهية حكم منقستو انطلقت من السودان، بل كانت تتقدمها دبابات الجيش السوداني، وأن من ساعد على هزيمة الجيش الإيطالي والتمكين للإمبراطور هيلا سلاسي هي قوة دفاع السودان، وأن آخر معركة كبرى خاضها الأحباش ضد السودان انتهت بقتل الإمبراطور الحبشي يوحنا الرابع عام ١٨٨٩، على يد قوات قائد جيوش المهدية في الجبهة الحبشية الزاكي طمل، في معركة القلابات الشهيرة، وقد قُطع رأس الإمبراطور وحُمِل إلى الخليفة في أم درمان …
لهذا ليس أمام أبي أحمد إلا الانصياع لصوت العقل والاتجاه نحو الحوار المباشر ..
فخيار أبي أحمد الأفضل، والأسلم له ولحكمه ولوجود إثيوبيا كدولة واحدة، هو التعاون، والانضمام إلى الحلف الناشئ حديثاً، والذي قال عنه الرئيس المصري ووزير خارجيته إن أمن البحر الأحمر خاص بالدول المشاطئة له، أي لا مكان لإثيوبيا في ترتيبات البحر الأحمر إلا عبر الموافقة من دوله المشاطئة، ولا يتم ذلك إلا وفق شروط وترتيبات معينة، أولها: الانسلاخ من الأحلاف والاتفاقيات التي أبرمتها إثيوبيا مع الدول من خارج المنطقة، تلك الساعية للسيطرة على البحر الأحمر، وتحديداً الإمارات وإسرائيل ..
لهذا فأبي أحمد إن أراد الوصول إلى موانئ البحر الأحمر، عليه فسخ تعاقداته وتحالفاته مع الدول المعادية الطامعة فيه، وإلا فالمصير معروف، وهو الحصار الاقتصادي الخانق، مع زيادة الالتهابات الداخلية، وتسخين كل الجبهات بتحريك جيوش القوميات والزحف نحو أديس أبابا، وفي النهاية التدخل للقضاء على الجسد المنهك ..
والمطلوب منه ثانياً:
.. تفكيك معسكرات الدعم السريع وإنهاء أي وجود مهدد لمجرى النيل الأزرق ..
… وقف مساعيه لعودة إثيوبيا إلى النظام المركزي، والنكوص عن النظام الفيدرالي الذي يعمل أبي أحمد على قبره بشدة، وذلك تمهيداً للجلوس مع المجموعات القومية المعارضة في حوار وطني حول أمور الحكم ..
.. الوصول لاتفاق مُرضٍ مع السودان ومصر حول أسس تشغيل سد النهضة ..
هذه الأمور سوف تفتح له الباب للدخول في حلف المنطقة، الذي بدأ يتشكل الآن على ضفتي البحر الأحمر، والذي ربما يتطور إلى مجموعة اقتصادية عملاقة، ذات ثقل ديمغرافي كبير، وموقع جغرافي حاكم، وإمكانيات اقتصادية، مالية وبترولية ومعدنية وزراعية ومائية هائلة ..
لهذا على الرئيس الإثيوبي أن يدرك أن اللعب على ورقة معاداة مصر والسودان، والاصطفاف مع الإمارات وإسرائيل، سوف يزيد من عزلته، ويجعله في مواجهة مباشرة مع السعودية وتركيا، بحكم أن الإمارات أصبحت تمثل الخطر الأول على السعودية، ولاشتداد التنافس بين إسرائيل وتركيا على البحر الأحمر، والذي تجتهد تركيا مع السعودية ومصر والسودان على جعله ممر نفوذ عربي أفريقي إسلامي، فهو الممر الوحيد الطبيعي الذي يقسم العالم العربي إلى قسمين، الأمر الذي يعني أن الجغرافيا الإثيوبية لا تنفصل نهائياً عن جغرافيا العالم العربي المترامية على ساحليه، شرقاً وغرباً ..
ختاماً أقول إن ذات الأمر ينطبق على دولة جنوب السودان، لأن هذه المنطقة هي الامتداد الطبيعي لها، وعليها أيضاً تحجيم النفوذ الإماراتي المتنامي في الدولة، والقضاء على الجهات الداعمة لقوات الدعم السريع المتواطئة مع مصالح الإمارات ومؤامراتها، وتحقيق المصالحات الداخلية…
حيدر التوم خليفة
١٦ فبراير ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*