سالينتود .. النجم المجتمعي
طالعت مقالا ثريا بقلم الحبيب د. خضر محمد علي إدريس عن والده الشهير بسالينتود بأسلوب أدبي رفيع سبح بي في دنياوات علم باذخ، وفي الحديث الشريف ” ولد صالح يدعو له “.
عاد سالينتود للبلد بعد سنوات عمل أمضاها في أرض الكنانة وبدا مشرق المحيا، أنيق الملبس وهو يفتح دكانا يتوسط سوق دلقو العريق فاشتهر بصدق القول، نافع الفعل .. يصالح المتخاصمين، يشجع السائرين في دروب التعليم بدءا بأبنائه الذين كانوا ينتظمون في الدراسة نظيفي الملبس، منضبطي السلوك، رفيعي المستوى، فقد رباهم على برمجة يومهم فالسهر في الأعراس محظور واللعب مسموح بحساب، بل بعث بكريمته للدراسة في الاتحاد السوفيتي بين تحفظ بعض الأهل وإشفاق جلهم لكنه كان موقنا بضرورة التعليم ولو في بلاد تكسوها الثلوج، فعادت د. ثريا طبيبة ماهرة ثم استشارية مرموقة فقدر الجميع نظرة والدها الثاقبة، كيف لا وهي تستقبل أهلنا ببشاشة في عيادتها في الخرطوم ثم في مستشفى دلقو إبان الحرب، أما الطبيبان فأرسل د. أبوذر لمستشفى دلقو ود. سيف اليزل ليفتتح مستشفى الترعة، قائلا: أهلكما أولوية.
بجهد متصل ووعي عال تمكن عمنا سالينتود من تطوير عمله التجاري ليشمل مشروعا زراعيا وشاحنة تنقل الركاب والبضائع بين العاصمة والبلد، فضلا عن طاحونة.
اعتاد سالينتود مثل رصفائه تجار سوق دلقو تناول غدائه الآتي من البيت مع المتسوقين والضيوف، وكان من أعمدة التعليم الأهلي الذين اضطلعوا بإنشاء المدارس المتوسطة الأهلية في ربوع المحس لاستيعاب أعداد التلاميذ والتلميذات المتزايدة سنويا، زايدا عضوية مجالس المستشفى والمدارس، وموقفه الحكيم في إضراب طلابي محمود.
عاصرته في لجان استقبال كبار المسؤولين كرئيس البلاد والوزراء وكان حريصا على ظهور البلد مضيافا، منظما لإضفاء السمعة الطيبة ونيل بعض المطالب المشروعة.
ذكرياتي معه كثيرة، منها مرافقته لدنقلا للمطالبة بطبيب للمستشفى وكنت صغير السن، تحت التمرين في العمل العام فصادفنا عمنا الزعيم سيد علي صبر شيخ شرق فاد في المبيت في لوكاندة بدنقلا فسأل:
وين الكبار؟
قال سالينتود:
كل مشغول بمصلحته، كتر خير ولدنا دة جاء معاي.
قال سيد على الفور: أنا تالتكما فوفقنا وكان أساس صداقة توثقت بيني وبين قريبنا الوجيه سيد الشهم، رجل المهمات الخدمية المخلص عبر المنطقة.
حكى لي صديقي الباشمهندس طارق سالينتود أن والده وجهه وهو صبي بملء أزيار دكانه ودكاني بدوي سعيد وإبراهيم علي اللذين يجالسانه بالجوز من البحر لتغيب السقاء، وبينما كان منهمكا، مرهقا ناداه عمنا صالح، الذي كان يعمل في الإصحاح البيئي على الشاطئ ليرفع له رأس قش كبيرا على حماره لكنه تجاهل خاصة والشمس تغيب فقال إن الرجل جاء السوق شاكيا فقال إن والده زجره ووبخه وأمره أن يذهب مع صالح ويرفع القش ويرافقه وينزله ويقدمه للبهايم ويربط حماره فأذعن للتوجيه الصارم، ليس هذا فحسب بل إنه بعودته للبيت كان في انتظاره علقة ساخنة!
شاهدت عمي سالينتود في ظروف الشدة كفقد الأقربين فكان المتجلد، المحتسب الصابر، لكنه عند حمل نعش والدته من المسيد للمدافن هزمته دموعه فانفجر باكيا.
كنت أشاركه الجلوس على كنبته أمام الدكان كشأني ذات مرة فانضم إلينا شاب خرطومي وسيم يعمل موظفا بالمستشفى، وكان ابن فناننا الكبير عبد الحميد يوسف، أحد جسور الربط بين حقبتي الحقيبة والحديث ( برزت الحقيبة نتيجة إضراب الطمبارة) صاحب أغنيتي غضبك جميل زي بسمتك وأذكريني يا حمامة الرائعتين وغيرهما فبعد جلسة ونسة اختار حذاء أنيقا فرفض عمي سالينتود القيمة قائلا:
أنت ولدنا مشرفنا، فاعتبره هدية بسيطة.
كان القيادي سالينتود وسطي الهوى والهوية فقد انتمى للاتحاد الديمقراطي التعبير السياسي للختمية شأن جل آبائنا ومازلت أذكر بعض رصفائه الكرام في لجنة دلقو أمثال كبارنا سادتنا: جعفر الحاج، محجوب علي مختار وكان مديرا للمدرسة، وإبراهيم عبد الرزاق، الذي أوصى بالحفاظ على النهج.
أختم بأن عمنا الرمز سالينتود اتصف بنصح النشء بصراحته المعهودة ولايزال أبناء دلقو بالرياض يرددون نصائحه المسداة لهم، كما كان وفيا لأصدقائه بصورة مثلى وعمنا سيد خليل أنصع مثال.
إثر حياة مفعمة الحيوية رفرفت روح عمنا سالينتود في الأعالي:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
لكنه ترك لنا أبناء يواقيت بررة يسدون قرص الشمس عطاء جزيلا:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
.. ترى هل يمضي الجيل الناشئ على درب كبارنا المزدان بأفضالهم وفضائلهم؟!


