صمت العارفين: حين تصبح المعرفة بلا شجاعة

صمت العارفين: حين تصبح المعرفة بلا شجاعة
  • 29 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

الدرديري عبدالحميد محمد

في لحظات الانهيار الكبرى لا تكون الأزمة في نقص المعرفة بقدر ما تكون في غياب الشجاعة الأخلاقية فالتاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تسقط فقط حين يعلو صوت الجهل بل حين يصمت من يعرفون الحقيقة ويملكون القدرة على قولها وفي السياق السوداني الراهن تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحا حيث تقف قطاعات واسعة من النخب المتعلمة في منطقة رمادية تراقب المأساة بلغة تحليلية باردة دون أن تتحول معرفتها إلى موقف

لم تعد الوقائع غامضة ولا مسارات الفشل خافية فالحرب وانهيار الدولة وتفكك المؤسسات ليست ألغازا تحتاج إلى مزيد من البحث ومع ذلك يصر كثير من الأكاديميين والخبراء والإعلاميين والساسة السابقين على استخدام خطاب مطاطي يتجنب التسمية الصريحة للأشياء فيستبدل الجريمة بالأزمة والانقلاب بالتعقيد والمليشيا بالأطراف المتعددة ويقدم هذا التردد على أنه حكمة وحياد بينما هو في جوهره خوف مقنن

في التجارب المقارنة التي تتابعها الصحافة الغربية عادة لا ينظر إلى الحياد في أزمنة الجرائم بوصفه فضيلة بل باعتباره شكلا من أشكال الانحياز غير المعلن فالخطاب الذي يساوي بين الضحية والجلاد لا يحمي السلم الاجتماعي بل يفرغ العدالة من معناها ويمنح مرتكبي العنف فرصة لإعادة إنتاج أنفسهم كفاعلين سياسيين طبيعيين إن هذا النوع من اللغة الذي يتخفى خلف العقلانية يسهم في إطالة أمد الصراع لأنه يعطل البوصلة الأخلاقية للمجتمع

تعرف هذه النخب أن للكلمة ثمنا وقد يكون الثمن فقدان موقع أو شبكة علاقات أو مساحة أمان شخصية لكنها تتناسى أن الوظيفة التاريخية للنخبة ليست النجاة الفردية بل الإرشاد العام فالشجاعة هنا لا تعني الاندفاع ولا الخطاب الشعبوي بل تعني تحملا واعيا لتبعات الموقف حين يصبح الصمت مشاركة غير مباشرة في الضرر العام وحين تتحول الخبرة إلى مجرد ديكور معرفي فإنها تفقد قيمتها السياسية والأخلاقية

من منظور الدولة الحديثة كما تفهم في الأدبيات الغربية فإن النخب التي تزدهر في البيئات الهشة غالبا ما تخشى قيام مؤسسات حقيقية لأن الدولة تعني قواعد واضحة ومحاسبة ونهاية أدوار الوساطة الغامضة لذلك لا يثير الخوف فقط أولئك الذين راكموا مصالحهم في الفساد بل أيضا من اعتادوا العمل في الفراغ بين السلطة والمجتمع فالإصلاح الجاد يكشف الجميع ويطرح سؤالا بسيطا ومحرجا أين تقف

إن أي مشروع للإنقاذ أو ما يمكن تسميته بالدواء العملي لا يفشل بسبب نقص الأفكار بل بسبب مقاومة غير معلنة من قوى تعرف أن نجاحه سيجبرها على اتخاذ موقف واضح ولهذا يتم التشكيك والتأجيل وتدوير النقاش إلى ما لا نهاية فالمعرفة التي لا تتحول إلى شجاعة تصبح عبئا على المجتمع وتمنح الصمت غطاء أخلاقيا زائفا

لا يمكن لمجتمع يسعى إلى الخروج من الحرب وبناء دولة أن يعتمد على نخب ترى ولا تقول وتحلل ولا تتحمل فالشجاعة ليست قيمة مثالية مجردة بل شرط أساسي لأي انتقال سياسي ناجح وحين تستعيد النخب شجاعة الموقف يصبح للمعرفة معنى وللسياسة أفق وللتاريخ شهود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*