الخميس - 11 شعبان 1447 هـ , 29 يناير 2026 م

«صمود» يدشن زيارته لألمانيا بندوة رفيعة المستوى حول وقف الحرب وبناء السلام في السودان

بين فقه التبرير وفعل التحرير: نخب حرب السودان ومسؤولية السلام الضائع

بين فقه التبرير وفعل التحرير: نخب حرب السودان ومسؤولية السلام الضائع
محمد الأمين عبد النبي

في الوقت الذي يحترق فيه السودان؛ تصطف النخب لتبرّر العنف وتعيد إنتاجه عبر الخطاب والسرديات، ويتحوّل المواطن من صاحب حق ومصلحة إلى متلقٍّ وضحية، مدفوعاً بالخبر المزيف، والصورة الملوّثة، ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحوّلت إلى ساحة لتصريف الانحيازات أكثر منها منصة للوعي. وهنا تبرز أسئلة تبحث عن إجابات شافية: هل النخب قادرة بعد كل هذا على استعادة دورها الأخلاقي والسياسي، أم أنها ستظل محصورة في لعبة التبرير والتحليل المتأخر، عاجزة عن رؤية ما هو أبعد من لحظة الحدث؟ وكيف يمكن للفعل السياسي أن يستعيد صلته بالمجتمع، ويحوّل المعرفة إلى فعل تحرّري، في زمن يضيع فيه معنى الدولة والمواطنة وسط ركام الحرب والاصطفافات؟ هذه التساؤلات ليست فلسفية ولكنها صرخة عاجلة لكل من يملك صوتاً وتأثيرأ؛ لأنه بدون وعي نخبوي حقيقي، لا يمكن للسودان أن يرى نهاية للحرب، ولا بداية لإعادة بناء نفسه.
إن النخب في السودان اليوم ليست فئات متعلّمة بالمفهوم البسيط؛ ولكنها مجموعات تتشكّل عند تقاطع المعرفة بالسلطة، وتتموضع داخل الصراع على تعريف الواقع وتفسيره. وفي زمن الحرب يتكشّف هذا الموقع الإشكالي بحدّة: فإمّا أن تكون النخبة قوة عقلانية تقود المجتمع نحو أفق واضح، أو تتحوّل إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة، عبر تبرير الأمر الواقع، وإعادة تدوير خطاب القوة باسم التحليل والواقعية. هنا لا يعود السؤال عن كفاءة النخبة، وانما مسؤوليتها الأخلاقية والتاريخية.
في أصل الفلسفة السياسية، ارتبطت النخبة بفكرة التفوّق المعرفي بوصفه تكليفاً لا امتيازاً؛ فقد رأى أفلاطون أن الحكم لا يستقيم إلا إذا تولّاه من يدرك معنى العدالة والحقيقة. غير أنّ ما نشهده في السودان هو انقلاب هذا التصوّر؛ إذ تخلّت قطاعات واسعة من النخب عن دور الرعاية العقلية للمجتمع، وانخرطت في خطاب يبرّر العنف ويشجعه، ويُخضع السياسة لمنطق الضرورة العسكرية لا لمعيار الصالح العام. فغابت الحكمة، وحضر التلاعب بالكلمات، وتحوّل التفكير إلى تعليق متأخّر على المأساة.
ومع نشوء الدولة الحديثة، علّمنا ميكافيلي أن النخب تُقاس بفعاليتها وقدرتها على إدارة القوة، وأن تداولها قانون اجتماعي لا مهرب منه. غير أنّ نخب السودان، بدل أن تمارس هذه الفعالية في اتجاه حماية الدولة والمجتمع، انزلقت إلى موقع التكيّف مع الانهيار؛ فباتت تشرح الحرب أكثر مما تسعى إلى إيقافها، وتتعامل مع الخراب كمعطى ثابت لا كجريمة سياسية. وهكذا تحوّل “الأمر الواقع” إلى أفق نهائي، لا إلى حالة ينبغي كسرها.
غير أنّ الخطر الأعمق يكمن في دور النخب السودانية في الانحياز لصالح مشروع الحرب؛ فهي لا تكتفي بالصمت، بل تنتج سرديات تشرعن العنف، وتعيد تشكيل الوعي بما يخدم طرفي الصراع، تحت عناوين زائفة مثل الواقعية، أو الضرورات الوطنية. وفي هذا السياق، تصبح النخبة شريكاً في إطالة أمد الحرب. ومن هنا، فإن استعادة المعنى الأخلاقي لدور النخب يعد شرطاً لازماً لإنقاذ السياسة من السلاح، والمجتمع من الانهيار.
ومع ذلك، لم تكن الساحة خالية من أصوات نخبة واعية لمهمتها ودورها؛ فقد لعبت دوراً أخلاقياً ومعرفياً في مقاومة هذا التغبيش المنهجي، ورفضت الانخراط في سرديات الحرب الجاهزة مهما كانت كلفتها. هذه الأصوات لم تبحث عن موقع داخل الاصطفاف، بل سعت إلى تفكيكه، ولم تستثمر في الغموض، بل أعادت تسمية الأشياء بأسمائها: حرب سلطة لا حرب كرامة، وصراع نفوذ لا معركة قيم. إن إسهامها الحقيقي لم يكن في رفع الشعارات، بل في بناء وعي نقدي يُعيد ربط العنف بأسبابه البنيوية، ويكشف تداعياته الكارثية على الدولة والمجتمع والإنسان. صحيح؛ لم تقدّم هذه النخب حلولاً سحرية، لكنها حافظت على ما هو أثمن في زمن الانهيار: الحد الأدنى من الحقيقة، وحق المجتمع في أن يفهم ما يُفعل به باسمه، وانحازت للشعب ورفضت أن يصبحوا أدوات في آلة القتل أو تزيين الانقسامات. هؤلاء النخب والمفكرون لم يكتفوا بالحديث عن الأزمة، بل انخرطوا في جهود معرفية حقيقية لمعالجة تداعيات الحرب: من توثيق الانتهاكات، ودعم التعليم واستمراره، وحفظ ما تبقى من البنية التحتية، ورصد انهيار الاقتصاد والخدمات. كما سعوا لبناء وعي نقدي عبر ربط التحليل النظري بالحلول العملية، مع التفكير المستمر في بدائل سلمية ومشاريع لإعادة بناء الدولة. إن دورهم يثبت أن النخبة لا تُقاس بمكانتها أو بقدرتها على التبرير، بل بمدى التزامها بالإنسان والمجتمع، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى فعل، والصوت إلى ضمير يقود الشعب نحو الخروج من مأزق الحرب، لا مجرد التعليق عليه.
وفي ضوء هذا كله، تصبح الدعوة موجّهة مباشرة إلى النخب التي انخرطت في دعم الحرب، صراحةً أو مواربة: ارفعوا أيديكم عن الدم، وأعيدوا البصر مرّتين قبل أن تُعاد صياغة الخراب بأسمائكم. ما من سردية قادرة على تبرئة حرب تُفكّك المجتمع وتدمّر الدولة، ولا من تحليل يبرّر استمرار القتل باسم الواقعية أو الضرورة. إن الحدّ الأدنى من المسؤولية اليوم يقتضي التحوّل من تزيين العنف إلى تفكيكه، ومن تأجيج الصراع إلى إنتاج حلول سياسية قابلة للحياة، ومن الاستثمار في الاصطفاف إلى العمل الجاد من أجل السلام.
إن الحرب في السودان لم تقتصر آثارها على القتل المباشر، بل امتدت إلى أبعاد أعمق دمرّت التعليم المدرسي والعالي، وأوقفت عجلة الإنتاج، وحطّمت البنية التحتية، وأخرت البلاد عن ركب الدول، وأفرزت خطابات كراهية وعنصرية وانهياراً للدولة نفسها، بل وتقسيماً للسلطة والاقتصاد. هذا الخراب ليس نتيجة البندقية وحدها؛ فالنخب التي دعمت أيّاً من طرفي الحرب شاركت بشكل مباشر في صناعة هذا الواقع، عبر تبرير العنف، وبناء سرديات زائفة، وتحويل المواجهة إلى مشروع رمزي يتجاوز الدم نفسه. والأمثلة على ذلك من حولنا عديدة: ففي لبنان وسوريا لعبت النخب الطائفية والسياسية دوراً سلبياً في إطالة الصراعات وتجزئة الدولة، بينما في دول أخرى مثل جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري، أو رواندا بعد الإبادة، ساهمت النخب الواعية في عملية المصالحة الوطنية وبناء السلام وإعادة إنتاج الدولة والمجتمع. الفارق يكمن في نوعية النخبة: هل هي منخرطة في إعادة إنتاج الهيمنة والتفرقة، أم تعمل بمسؤولية أخلاقية وسياسية لتحويل القوة والمعرفة إلى خدمة مجتمعية؟ وفي السودان اليوم، يعد هذا السؤال محورياً؛ لأن استمرار العنف وتفكك الدولة يحمل بصمة النخب كما يحملها السلاح.
في النهاية، ليست حرب السودان امتحاناً للعسكر وحدهم، بل هي محكمة مفتوحة للنخب قبل غيرها. فالسلاح يقتل الجسد، لكن الأفكار تقتل الروح، والنخب التي اختارت تبرير الحرب ستكتشف متأخرة أنها ساهمت في تدمير البلاد نفسها، لا في حسم الصراع. إن أخطر ما يخلّفه هذا النزاع ليس الخراب المادي وحده، بل اعتياد العنف، وتآكل الحسّ الأخلاقي، وانهيار القدرة على تخيّل وطن خارج منطق القوة. من هنا، فإن استعادة دور النخب تعد شرطاً لبقاء السودان نفسه: دولة تُدار بالعقل لا بالبندقية، وبالعدالة لا بالسرديات، وبالسلام بوصفه خياراً شجاعاً. ومن لا يملك شجاعة الانحياز للحياة اليوم، لن يكون له مكان في كتابة الغد.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور