مهنة المتعة والتجديد ام مهنة الفقر والمحنة؟؟

مهنة المتعة والتجديد ام مهنة الفقر والمحنة؟؟
  • 04 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

محجوب إبراهيم الخليفة

▪️مهنة تمنحك الخبرة والمتعة والتجديد… وأخرى تسرق عمرك وتحاصرك وتفقرك بل وتلقي بك على الرصيف مريضا،ليست المهن مجرد وسائل للرزق، ولا تُقاس قيمتها بعدد الساعات التي تُقضى داخلها أو بحجم الراتب الذي تُدرّه في نهاية الشهر، بل تُقاس بما تضيفه إلى الإنسان على المدى الطويل. المهنة، في جوهرها، علاقة يومية متكررة بين المرء وذاته، علاقة إما أن تكون مُغذية للعقل والروح، أو مستنزِفة للطاقة والعمر والطموح. لهذا السبب لا يبدو جميع العاملين متشابهين، رغم تشابه ساعات الدوام والمهام الظاهرة، فبعضهم يخرج من سنوات العمل أكثر وعيًا ونضجًا وقدرة، وبعضهم يخرج أكثر تعبًا، أقل أملًا، وأفقر حلمًا.
▪️ثمّة مهن تُشبه الينابيع، كلما شربتَ منها ازددتَ عطشًا للمعرفة، وكلما اقتربتَ منها فتحت لك أبوابًا لم تكن تراها. في المقابل، ثمّة مهن تُشبه الرمال المتحركة، كلما استسلمتَ لها أكثر، سحبتك إلى الأسفل بهدوء، دون ضجيج، حتى تجد نفسك على هامش الحياة المهنية، تراقب الآخرين وهم يتقدمون.
▪️المهن التي تفيض بالخبرة والمتعة والتجديد..هذا الصنف من المهن لا يُشعرك بأن الزمن عدوّك، بل حليفك. الأعوام لا تمر عليك خاوية، بل تتراكم فيها الخبرات، وتتسع الرؤية، ويكبر الإحساس بالمعنى. المهنة هنا لا تستهلكك، بل تصنعك. فالتعليم الحقيقي، بوصفه رسالة قبل أن يكون وظيفة، يمثّل نموذجًا ناصعًا. المعلّم الذي يمارس التعليم بعقل مفتوح لا يكرر نفسه، بل يعيد اكتشاف المعرفة مع كل تجربة، يعيش حالة دائمة من التجدد. كل طالب مرآة جديدة، وكل سؤال فرصة لإعادة النظر. نماذج كثيرة لمعلّمين بدأوا من فصول متواضعة، ثم تحولوا إلى رموز فكرية ومراجع معرفية، لأنهم فهموا أن التعليم ليس نقل معلومات، بل بناء إنسان.
▪️ثم تأتي الصحافة والفكر والبحث العلمي، حيث لا وجود للركود. الصحفي الجاد لا يعيش على هامش الأحداث، بل في قلبها، والباحث الحقيقي لا يهدأ له عقل حتى يصل إلى إجابة، ثم يشك فيها ليبدأ من جديد. هذه المهن تصنع إنسانًا يقظًا، واسع الأفق، قادرًا على التحليل والنقد، حتى لو تأخر العائد المادي، فإن العائد المعرفي يصنع قيمة طويلة الأمد، تتحول مع الزمن إلى تأثير ومكانة واحترام.
▪️أما مهن الإبداع، مثل الكتابة، والتصميم، والبرمجة، وصناعة المحتوى الهادف، فهي مهن تقوم على العشق المتبادل. المبدع لا يكتفي بما تعلّم، بل يطارد الجديد بشغف، لأن الجمود فيها موت بطيء. الكاتب الذي يصقل لغته، والمصمم الذي يطوّر ذائقته، والمبرمج الذي يلاحق التقنيات الحديثة، لا يشعر بأن العمل عبء ثقيل، بل تحدٍّ ممتع. نماذج لا تُحصى لأشخاص بنوا لأنفسهم مسارات عالمية من غرف صغيرة وأدوات بسيطة، لأنهم اختاروا مهنة تسمح لهم بالنمو المستمر.
▪️وتقف ريادة الأعمال الذكية في مساحة خاصة، حيث لا مكان للاتكاء على الروتين. رائد الأعمال الذي يبدأ بفكرة مدروسة، ويتعلّم من السوق، ويخفق ثم يُصحح، يكتسب خبرة مركبة لا توفرها أعتى الوظائف التقليدية.
▪️المشروعات الصغيرة الواعية تحوّل صاحبها إلى إنسان متعدد المهارات، واسع الإدراك، يعرف الإدارة والتسويق والتخطيط، حتى لو تعثّر في البداية، فإن ما يكتسبه من معرفة يجعله أقوى في كل محاولة لاحقة.
▪️القاسم المشترك بين هذه المهن أنها تُشعر صاحبها بأن عمره يُستثمر. السنوات لا تضيع، بل تُبنى، والجهد لا يذهب هباءً، بل يعود وعيًا وقدرة وثقة بالنفس.
▪️اما المهن التي تسرق العمر وتحاصر الإنسان وتُبقيه فقيرًا فهي تقف في الجهة المقابلة،  مهن لا تطلب عقلًا، ولا تحترم طموحًا، ولا تمنح صاحبها فرصة حقيقية للتطور. خطورتها الكبرى لا تكمن في قسوة العمل فقط، بل في أثرها التراكمي على النفس.
▪️الوظائف الروتينية الجامدة، التي تُعيد نفس المهام يومًا بعد يوم، دون تدريب أو تطوير أو أفق ترقٍ، تقتل الفضول ببطء. الموظف يقضي سنوات طويلة، ثم يكتشف أنه لم يكتسب مهارة قابلة للنقل، وأن خبرته لا تتجاوز حدود المكان الذي يعمل فيه. مع أول أزمة أو تغيير إداري يصبح خارج اللعبة، لأنه لم يبنِ قيمة حقيقية.
▪️وتأتي الأعمال القائمة على الاستغلال الصرف، التي تستهلك الجهد الجسدي أو النفسي دون مقابل معرفي. العامل يخرج مرهقًا، بلا أمان مهني، وبلا رصيد خبرة. هذه المهن قد توفر دخلًا مؤقتًا، لكنها تترك صاحبها مع مرور الوقت مستنزف الصحة والطاقة، عاجزًا عن البدء من جديد.
▪️ثم تظهر المناصب الوهمية والوظائف الشكلية، التي تمنح صاحبها لقبًا لامعًا بلا صلاحيات أو تأثير. يبدو ناجحًا من الخارج، لكن الداخل هش. أول اهتزاز في المؤسسة يكشف فراغ التجربة، لأن المنصب لم يكن مبنيًا على مهارة حقيقية أو إنجاز ملموس.
▪️ويكتمل المشهد بعقلية الاتكال الكامل على وظيفة واحدة دون تطوير ذاتي. هنا لا تكون المشكلة في المهنة ذاتها فقط، بل في غياب الوعي. من يربط مصيره بمصدر دخل واحد، ولا يتعلم، ولا يوسّع أدواته، يضع عمره رهينة قرار غيره، ومع الزمن يجد نفسه محاصرًا بالخوف، عاجزًا عن القفز أو التغيير.
▪️هذه المهن لا تُسقط الإنسان فجأة، بل تسرق عمره بهدوء، حتى يستيقظ وقد صار خارج الزمن، فقير الحلم، محدود الخيارات.
الخلاصة: المهنة مرآة علاقتك بذاتك
▪️العمل الذي تحبه، وتكبر عبره، وتشعر أنه يضيف إليك قبل أن تأخذ منه، يتحول إلى شغف، ثم إلى هوية، ثم إلى قيمة. أما العمل الذي تكرهه، وتُجبر عليه، ولا ترى فيه أفقًا، فيتحول إلى سجن ناعم، بلا قضبان، لكنه يلتهم العمر بصمت.
▪️ليس كل طريق متاح يستحق أن يُسلك، وليس كل تعب يُعد استثمارًا. الوعي المبكر، حتى لو جاء متأخرًا قليلًا، يصنع فارقًا حاسمًا. العمر أثمن من أن يُنفق بلا معنى، والمهنة ليست قدرًا أعمى، بل قرار طويل الأثر، إمّا أن يصنعك إنسانًا متجددًا، أو يتركك على الرصيف تراقب الحياة وهي تمضي.
    mhgoub33@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*