الأستاذ عثمان ميرغني يطلق “قنبلة العام” والشهود أحياء!
في تعليقه على عودة طائرة سودانير إلى مطار الخرطوم كتب الأستاذ عثمان ميرغني الآتي:
“الحرب التي تسببت في إغلاق مطار الخرطوم وتدمير الطائرات الجاثمة على أرضه.. وحجبت “سودانير” عن عاصمتها لقرابة ثلاث سنوات حسومًا.. كانت بسبب الخلافات السياسية العاصفة التي استعصت على الحل بين الساسة، فامتشقوا السيوف.. ودفع شعب السودان ثمنًا فادحًا: مليون شهيد حتى اليوم، من لم يمت بالرصاص مات بالمرض أو المجاعة أو الحسرة.”
بالله عليكم هل حرب ١٥ أبريل اندلعت بسبب خلافات الساسة الذين امتشقوا السيوف؟!!!!!
أم بسبب خلافات الأجنحة العسكرية المتنافسة على السلطة وهي الحزبان المسلحان الكبيران: الجيش والكيزان، والحزب المسلح الثالث الذي خرج من رحم حزب الجيش بواسطة حزب الكيزان؟
هذا الثلاثي هو من يمتلك السيوف وقد امتشقها بالفعل في حرب قذرة أهلكت الحرث والنسل، فلماذا كل هذا الالتواء والتعمية عن الفاعلين الحقيقيين تحت عنوان مضلل هو خلافات الساسة!
كيف يتم تزييف التاريخ بهذه الجرأة والشهود أحياء والعالم كله يسمع ويرى!!
لماذا دائمًا يتم اختزال مشكلة السودان في خلافات الساسة؟ أود أن يذكر لنا الأستاذ عثمان ميرغني بلدًا واحدًا في هذا العالم كل ساسته برأي واحد والخلافات بينهم زيرو؟ هذا ضد طبيعة الاجتماع السياسي الطبيعي!
اختلافات الساسة طبيعية جدًا، والمطلوب تجاهها هو الآتي: أولًا: بناء نظام سياسي لإدارتها سلميًا بكفاءة، وأفضل نظام لذلك عرفته البشرية هو النظام الديمقراطي. ثانيًا: تطوير الثقافة السياسية في اتجاه أن لا تكون الاختلافات السياسية سببًا لإعاقة الإنجاز التنموي والاقتصادي لصالح الوطن، والاتفاق على صيانة المصالح الحيوية للشعب وعدم المساس بها لتحقيق مكاسب حزبية، وهذا ممكن جدًا إذا سمحنا لتجربتنا السياسية بالنمو الطبيعي.
ولكن على كل حال خلافات الساسة لم ترسل الرصاص الحي والدانات إلى بيوت المواطنين!! حتى لو ضرب السياسيون بعضهم البعض بالأحذية في البرلمان أو مجلس الوزراء – وهذا لم يحدث في السودان – ولكن حتى لو حدث فلن يتدمر مستشفى أو تحترق مدرسة أو تتمزق أجساد المواطنين أشلاء!!
الحقيقة التي تمد لسانها في السودان بالذات هي أن تدمير البلاد وتدمير الحياة من حيث هي لم يكن نتاجًا لخلافات الساسة بل نتاجًا لخلافات العسكر الذين فرضوا وصايتهم على السياسة ٥٨ عامًا من عمر الاستقلال! الخلاف المدني المدني على السلطة مقدور عليه!! ولكن المصيبة هي الخلاف العسكري العسكري على السلطة لأنه يشعل الحروب ويدمر البلاد تدميرًا كما نرى!
عمليات التجريم المنهجي للسياسة وللساسة وكأنما أصل البلاء في بلادنا هو الساسة، هدفه هو تزكية الحكم العسكري!
وهنا يقع المدافعون عن الحكم العسكري في مأزق لا يُحسدون عليه! فالحكم العسكري التقليدي يزكي نفسه بأنه الأقدر على تحقيق الحياة الآمنة المستقرة وتقديم مستوى أفضل من الخدمات والمعيشة!
الحكم العسكري في السودان أثبت فشله الذريع في كل ذلك! لأنه ببساطة فقد الشرط الأساسي لنجاح الحكم العسكري وهو الجيش الواحد الذي يحتكر العنف!! ببركات الكيزان وأطماعهم تعددت الجيوش المتنافسة على السلطة، وهذا هو سبب اندلاع الحرب التي خاضتها الأجنحة العسكرية المتصارعة فوق أجساد السودانيين ووسط منازلهم ومستشفياتهم ومدارسهم، فتشرد ١٢ مليون سوداني خارج البلاد!
المؤسسة العسكرية السودانية بكل أجنحتها تنهب القدر الأكبر من ثروة البلاد القومية، وبذلك هي أكبر خطر على فرص التنمية، وبالتالي فإن أصل البلاء والفساد حسب الحقائق والمعلومات الصلبة هو الأحزاب المسلحة: حزب الجيش وحزب الكيزان، وانضم إليهم منذ عام ٢٠١٧ الدعم السريع (٥٨ عامًا من عمر الاستقلال كانت السلطة العليا فيها والقول الفصل للعسكر، لمنطق السلاح والأجهزة الأمنية والاستخباراتية).
العسكر في السودان كيان سلطوي متسلط قائم بذاته وبأطماعه الخاصة وبنظرته الاستخفافية بالمدنيين، ولذلك حتى عندما يتوهم المدنيون أن في استطاعتهم استغلال العسكر لتحقيق أهدافهم السياسية سرعان ما يحصدون الندامة:
حزب الأمة الذي وقف وراء انقلاب عبود تعرض للقمع والإقصاء بواسطة النظام لأن الجيش بطبيعته البنيوية مصمم ضد حزب الأمة!
الحزب الشيوعي لم يحصد من مايو سوى فقدان خيرة قياداته بالتعليق على المشانق والملاحقة بالاعتقالات!
حزب البعث بدد قياداته في الإعدامات عقب كل انقلاب فاشل.
الكيزان كان انقلابهم هو الأكثر نجاحًا، إذ فشل الجيش في ابتلاعهم بالكامل كما فعل مع الأحزاب الأخرى لأنهم تعلموا الدرس جيدًا: أقاموا جيوشهم الخاصة ممثلة في الدفاع الشعبي وكتائب الظل، مكنوا لحزبهم في مفاصل الجيش بصورة غير مسبوقة، فماذا كانت النتيجة؟ كانت تمكين القيادات الكيزانية ذات الخلفية العسكرية والأمنية وتهميش القيادات الأقل نفوذًا عسكريًا، وعلى هذه الخلفية انتصر البشير على الترابي في المفاصلة! انتصر عليه بالجيش وجهاز الدولة بمساعدة مجموعة علي عثمان، ثم انتصر البشير على مجموعة علي عثمان نفسها التي كانت تخطط للانقلاب عليه من داخل الجيش! انتصر عليها بالدعم السريع تحت شعار “حميدتي حمايتي”.
رهان بعض القوى السياسية على الانقلابات العسكرية اختصارًا للطريق إلى السلطة هو خطأ تاريخي كبير يجب أن ينال المساحة التي يستحقها من النقد والمراجعة للتجربة الحزبية، ولكن من الخطأ أيضًا الحديث عن الجيش ككيان مغلوب على أمره تم استغلاله، لأن المتواتر في التجربة السياسية هو أن الجيش استغل الجميع وابتلعهم وتسلط عليهم وعلى البلاد، الاستثناء الوحيد هو حالة الكيزان إذ لم ينجح الجيش حتى الآن في ابتلاعهم لأنهم حاصروه بالجيوش الموازية فنجحوا هم في استغلاله كحصان طروادة للاختباء السياسي، مرة عندما نفذوا به انقلابهم، وخلال هذه الحرب أيضًا يختبئون داخله لإكمال الثورة المضادة واستعادة سلطتهم تحت عنوان الجيش الوطني الذي يخوض حرب كرامة ضد عدوان أجنبي! والصراع على أشده بين أطماع جنرالات يرغبون في سلطة عسكرية خالصة لحزب الجيش وجنرالات كيزان يرغبون في سلطة عسكرية خالصة لحزبهم.
أهم نقطة في كل ذلك، أن الكيزان نجحوا في الإفلات من ابتلاع الجيش لهم بل نجحوا هم إلى حد كبير – وليس بالكامل – في ابتلاعه، ولكن كانت النتيجة هي إحراق الوطن بالحرب بين الجيوش الكيزانية المتصارعة على السلطة!
تأسيسًا على ذلك ليس من الموضوعية أن نلخص الأزمة الوطنية وذروة سنامها هذه الحرب الإجرامية في تعميمات مخلة ومضللة على شاكلة “خلافات الساسة”. يجب أن نحدد بدقة من هم الساسة الذين نعنيهم؟ وما هي حدود مسؤولياتهم حزبًا حزبًا وفردًا فردًا عن الذي يجري الآن؟ وهل من الإنصاف والنزاهة توزيع المسؤولية بالتساوي بين الجميع؟ وهل يُعقل ونحن تحت وطأة هذه الحرب أن نصوب سهامنا إلى الساسة بهذا التعميم الفضفاض، ونترك العسكر الذين يتجالدون بالسلاح على السلطة فوق أجساد الأبرياء؟!


