الإثنين - 6 رمضان 1447 هـ , 23 فبراير 2026 م

الدعم السريع تسيطر على مستريحة معقل زعيم المحاميد موسى هلال

أسبوعان على رحيل حمد الزناري الصابر ..الشاكر ..الحامد 

أسبوعان على رحيل حمد الزناري الصابر ..الشاكر ..الحامد 
العالم أحمد دقاش

كثيرة هي أحزاننا هذه الأيام وقد بكينا وجفت مآقينا على من فقدنا في مقابر النزوح و الشتات .. الموت حق وهو سنة الحياة والمصير الذي لابد منه لكل حيّ . ولوعة الفراق يتصاعد دخانها كثيفاً من الأعماق ليخنق النفس ، فتلك هي حالُنا مع رحيل الصابر حمد الزناري. رحل الحبيب صديق الجميع ، برحيله فقدنا تلك البسمة. نعم رحل حمد الزناري وهو رمزية تحمل العديد من المعاني. حمد رمزية تتسع لتكون مستودع البسمة الصادقة ، والضحكة المبشرة ، والوجه الانصاري الصبوح، هو الآمل والرجاء والصبر فهو مركز للتميز الاجتماعي والسياسي . مع تعقيدات السياسة والتقاطعات الأُخرى تجده قد بنى له الآخر السياسي والاجتماعي بيتاً عنده ومنحه أرضاً للتمدد لمقبوليته العالية. حمد الزناري أنصاريته طاغية بطاقيته المميزة وصوفيته الصادقة. فهو شخص عابر للحدود الاجتماعية بتسامحه وتعدده الثقافي . فمن عاصمة الأنصار الجزيرة أبا حيث مسجد الكون، وكذلك قبة الإمام المهدي برمزيتها التاريخية والثورية في أم درمان تمدد إلى جغرافيا واسعة من الوطن بقدر محسوب، فهو حبيب الجميع بعلاقاته الحميمية. نعم هو ابن حبيل القرية النائية في غرب كردفان وابن كردفان الغرة والجزيرة الخضراء والنيل الأبيض بل هو ابن الدامر الوفية حيث أنصار المهدي في المسياب والعكد ودنقلا الأصل . هو ابن فاشر السلطان وعظمة التاريخ، ونيالا البحير برهيدها الوارف وعد الفرسان كلها مواقع صال وجال فيها بالكلمة الطيبة التي تدعو للوفاق والاتفاق. في العاصمة المثلثة عند بحرى، يقولون هو زولنا وفي وسط الخرطوم هو بطل اركان النقاش في ساحات جامعاتها. أما في أم درمان فهو يقول دي حقتي بقدل فيها براحتي ، فكان اتحاد الإسلامية وصنوه محمد سلامة صانعي ثورة 85 م التي صمدت في وجه الطغيان واقتلعته.

حمد الزناري هو الشرح الوافي لبرنامج الصحوة  الضافي ، فعلى لسانه السهل البليغ فهم الناس معني الصحوة التي نقلتهم من الغفلة.. كان أهل نهر النيل والشمالية يسألون الوفود الزائرة من أم درمان فهو عندهم مثل الصحابي أويس الرجل الصالح كل يريد أن يراه. يسألون الوفود الزائرة من المركز ” أمعكم حمد الزناري؟؟ “وإلا فارجعوا ولتأتون جميعاً ، فحمد الزناري قد أسرهم ببليغ خطابه التعبوي من أجل الوطن . قلت في العنوان حمد الزناري الذي شكر وحمد ثم رحل ..  فبعد مصيبة اغتيال الديمقراطية والدولة المدنية في 89 م من قوم كما قال الاديب الطيب صالح “من أين جاؤوا ” خرج من الوطن يطلب الحياة  والرزق في غير وطنه فحط رحاله ببلاد الخير بلاد الحرمين الشريفين وهو المؤهل للعطاء بتميز أينما حل. هناك مارس حياته بنجاح وكان الشمعة التي تحترق من أجل الآخرين فانتعشت معه الفعاليات الثقافية والاجتماعية والسياسية بالرياض، وعشق الناس من جديد صوته الجهوري ورصانة كلماته المنتقاة في خطبه الراقية التي تخلو من مفردات الكراهية والإساءة بل هو دائماً يسدد ويقارب فكان كلامه جاذباً، يجمع و لا يفرق. قيل في إحدي المرات وهو مستغرق في مخاطبة الحضور وهم مشدوودرت إليه إعجاباً. فكان مكان فخر أهله فصعد أحد أقاربه يهمس في أُذنه بلهجة أهله حمر ” قل لهم ني حمري” وهو يقصد أن يعرف نفسه للجمهور بأنه من حمر فهو فخر أهله. 

الراحل الزناري محب لأُسرته باراً بوالديه كريماً مع إخوانه وفياً لصداقاته فمن قريته ودار حمر تشتعل ناراً يراسلنا ونحن في الاغتراب سائلاً عن حال أهلنا في الحمادي وجنوب الأبيض؟ سبحان الله وما حال  السائل بأحسن حالاً من المسؤول عنهم ودائما هو كذلك.  كان وجود حمد الزناري بالمملكة شعلة.. يعطي ولا يأخذ. وربما كان تفاعله مع الاحداث جعله صيداً سهلاً لداء السكري والضغط الذي تطور ليتسبب في بتر ساقه. كل هذه الظروف القاسية وشدة معاناته الصحية وغيرها من التحديات لم تهزمه، فإن زرته في المستشفى أو البيت تجده هاشاً باسما تُطمئنك بسماته المشرقة المليئة بالأمل، فيواسيك بدلاً من أن تواسيه ويسألك عن أسرتك وآخرين وهو المريض الأحق بالسؤال عن حاله. قبل عدة سنوات سنحت لنا الفرصة نحن مجموعة من زملائه في جمعية المترجمين السودانيين بالرياض أن نسجل له زيارة في سكنه بحي العرضة في أم درمان بعد أن عاد من الاغتراب. كان يتقدمنا الأخ الفاضل محمد عبد المجيد أقداوي الذي تواصل مع الجميع ورتب الزيارة. فدخلنا عليه في بيته محملين بمشاعر الحزن والعطف وهو يكابد الحياة في وطن هو الشدة وقسوة الحياة. فقضينا عنده لحظات أفرغت من نفوسنا كل المشاعر والأحاسيس السلبية. فلم يشتكي لنا من شيء بل طمأننا عن حاله فكانت زيارته شحنة وطاقة إيجابية.

حمد الزناري نموذج للصوفي الحامد الشاكر، قليل الشكوى لا يتذمر من الحياة وضيقها في شيء، ورغم الظروف الصعبة التي واجهها فقد ظل هرماً شامخاً ثابتاً ورمزاً للصبر والتسامح، فهو مدرسة في التعامل، كله فضائل وقيم تستوجب التوثيق ليكون قدوة صالحة لمن بعده من الأجيال. فهل يجتمع أحبابه وأصدقائه على توثيق وترجمة سيرته وفاء لعطائه. والأهم أن لا تنسي رعاية أُسرته الصغيرة بما يؤهلهم لمواجهة تحديات الحياة وإكمال تعليمهم، حتى يكونون امتداداً لحمد الزناري، أيقونة الصبر والأمل والتسامح والخير.
التعازي لأُسرته الصغيرة ونخص بالعزاء أمهم الصابرة وبناته وفاء وصفاء ومحمد وإن شاء الله كلهم خلف لخير سلف، و نسأل الله أن يكون من أصحاب اليمين ويرزقه الجنة ويرفع مقامه وإن شاء الله في الفردوس الأعلى .. اللهم إنك أرحم الراحمين.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور