▪️تثير بعض التصرفات السياسية، مهما بدت محدودة في ظاهرها، عواصف من الجدل تتجاوز حدود الحدث نفسه لتلامس عمق الوجدان العام، وتختبر حساسية القيادة تجاه آلام الناس وذاكرتهم المثقلة بالجراح. من هذا الباب جاء الجدل الواسع حول إهداء الفريق أول عبد الفتاح البرهان سيارته الرئاسية إلى القائد المنشق النور قبة، في لحظة سياسية وعسكرية معقدة تتشابك فيها حسابات الميدان مع مشاعر الضحايا.
▪️يتكئ المنتقدون على حجة مركزية مفادها أن هذا التصرف، مهما كانت دوافعه السياسية أو العسكرية، لم يُراعِ حساسية الشارع السوداني الذي لا يزال يعيش تحت وطأة آثار الحرب، حيث تعرض آلاف المواطنين لنهب ممتلكاتهم، وتدمير بيوتهم، وفقدان مصادر رزقهم، فضلاً عن حالات الترويع والانتهاكات التي ارتبطت بسلوكيات منسوبة إلى مليشيا الدعم السريع. هذا الواقع يجعل أي لفتة تكريمية تجاه شخصية كانت جزءاً من تلك المنظومة تُقرأ، في نظر كثيرين، باعتبارها صدمة معنوية لا تقل أثراً عن الخسائر المادية.
▪️ويستند هذا النقد إلى شواهد واقعية متداولة، من بينها تقارير ميدانية وشهادات مدنية تحدثت عن حجم الدمار الذي لحق بالأحياء السكنية والمنشآت الاقتصادية، خاصة في مناطق النزاع المفتوح. تلك الشهادات، حتى مع اختلاف دقة تفاصيلها من مصدر لآخر، شكلت وعياً جمعياً يرى أن العدالة المعنوية تقتضي أولاً الاعتراف بالضرر، ثم مساءلة المتسببين فيه، قبل الانتقال إلى أي شكل من أشكال الاستيعاب أو التكريم.
في المقابل، لا يمكن إغفال القراءة السياسية التي ترى أن خطوة كهذه قد تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك بنية الخصم من الداخل، عبر استمالة قياداته الميدانية وتشجيع الانشقاقات، وهو نهج معروف في أدبيات الحروب والصراعات غير التقليدية. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في الفعل ذاته، بل في توقيته وشكله الرمزي؛ إذ إن الإهداء، بوصفه فعلاً علنياً ذا دلالة، حمل رسالة مزدوجة: رسالة ترحيب بالمنشقين، ورسالة أخرى فُسّرت شعبياً باعتبارها تجاهلاً لمعاناة المتضررين.
▪️هذا التناقض بين منطق السياسة ومنطق العدالة الشعورية يفتح الباب لسؤال أعمق: هل يجوز للقيادة أن تضحي بجزء من الرصيد الأخلاقي في سبيل تحقيق مكاسب ميدانية؟ أم أن الحكمة السياسية الحقيقية تكمن في تحقيق التوازن بين استيعاب الخصوم والحفاظ على ثقة المجتمع؟
▪️تجارب دول عديدة تشير إلى أن كسب المعركة العسكرية لا يكتمل دون كسب معركة الوعي العام. أي خطوة تُفهم على أنها مكافأة لمن ارتبط اسمه، ولو جزئياً، بأحداث مؤلمة، قد تُضعف ذلك التوازن الدقيق بين الدولة ومواطنيها، خاصة في مراحل الصراع التي يكون فيها الرأي العام أكثر حساسية وتأثراً بالرموز والدلالات.
▪️كما أن العدالة الانتقالية، بوصفها أحد أهم مسارات ما بعد النزاعات، تقوم على مبدأ عدم الإفلات من المساءلة، وعلى ضرورة إنصاف الضحايا معنوياً قبل أي شيء آخر. لذلك، يرى كثير من المراقبين أن أي خطوة تجاه استيعاب عناصر من الأطراف المتنازعة ينبغي أن تُسبق أو تُرافق بإشارات واضحة تؤكد التزام الدولة بمحاسبة الانتهاكات وجبر الضرر، حتى لا يُفهم الأمر على أنه تجاوز لحقوق المتضررين.
▪️في ضوء ذلك، يبدو أن الخطأ — إن جاز توصيفه كذلك — لا يتعلق فقط بفعل الإهداء، بل بغياب الإطار التفسيري الذي يربط بين هذا الفعل وبين رؤية متكاملة للعدالة والمصالحة. كان بالإمكان، على سبيل المثال، أن تُقدَّم الخطوة ضمن سياق وطني أشمل يوضح أنها جزء من مسار لإنهاء الحرب، مع التأكيد الصريح على حقوق الضحايا وعدم التفريط فيها.
▪️خلاصة القول إن القيادة السياسية تُقاس ليس فقط بقدرتها على إدارة المعارك، بل بقدرتها على قراءة وجدان شعبها. أي قرار يغفل هذا البعد، مهما كان مبرره التكتيكي، قد يتحول إلى عبء معنوي يثقل كاهل السلطة ويُضعف جسور الثقة بينها وبين المجتمع. وبين ضرورات السياسة ومقتضيات العدالة، تظل الحكمة هي في إيجاد المعادلة التي لا تُشعر الضحية بأن الألم قد تم تجاوزه أو التقليل من شأنه.