رحيل قامة من شندي وملامح امرأة لا تتكرر!
حين وقعت عيناي لأول مرة على جدّي حسين أحمد شوك، حيث كان واقفًا إلى جوار أخيه إبراهيم، شدّني حضوره قبل أن أعرفه؛ صوتٌ جهوريٌّ يملأ المكان، وهيبةٌ لا تخطئها عين طفل. اقتربتُ من جدّي إبراهيم، وسألته ببراءة: من هذا الرجل؟ فابتسم وقال: “دا أخوي حسين”. لم تُشبع الإجابة فضولي، فسارعتُ أسأله: “وبيتو وين؟” فقال: “بيتو في ارتموقة”، كأنه يحدّثني عن رجلٍ يسكن بعيدًا، خارج دائرة الألفة اليومية في حصاية العمدة أحمد شوك. ومضيتُ في أسئلتي، كأنما أفتّش عن ملامح الحكاية: “أولادو منو؟” فأجابني بنبرةٍ فيها شيء من الاعتزاز: “حسين ما عندو أولاد، لكن عندو بت واحدة اسمها فاطمة… أخير من عشرة أولاد”. ومنذ تلك اللحظة، علق في ذهني اسم العمة فاطمة حسين، وصار حضورها إلى البلد حدثًا ننتظره بفرحٍ خفيّ. كانت امرأةً متوسطة القامة، تميل إلى صفرةٍ لطيفة، تعلو خدّيها شلوخٌ ثلاث كأنها علامات انتماءٍ وذاكرة. وصوتها- على علوّه- كان يحمل نبرةً دافئة، تمتزج بضحكاتٍ مميزة لا تُنسى، فتملأ المكان حياةً وحميمية. وكانت تختار هندامها بعناية، وتُحسن تنسيق زينتها، فتبدو في كل مرةٍ كأنها قادمة من عالمٍ أكثر أناقةً واتساعًا. ولطالما شعرتُ، وأنا أتأملها، بأن بين ملامحها وطباعها صلةً خفيّة بخالتي فاطمة إلياس؛ تقاطعٌ في الروح قبل الشكل، كأن النساء الطيّبات يشبهن بعضهنّ، ولو فرّقتهنّ المسافات بين شندي وأم درمان الثورة الحارة التاسعة. واتّسعت دوائر المودّة، وترسّخت وشائجها، منذ أن جمعني القدر بابنها عمر في جامعة الخرطوم، حيث لم يكن اللقاء الأول بأخي عمر في غرفة الأخ الصديق صالح عثمان صالح بداخلية بحر الزراف مجرّد تعارف عابر، بل بداية امتدادٍ إنسانيٍّ عميق، أعاد تشكيل تلك الصلة القديمة على نحوٍ أكثر نضجًا ودفئًا. ومنذ ذلك الحين، توالت زياراتي إلى شندي، لا على سبيل العبور، بل بدافع الشوق إلى بيتٍ صار جزءًا من الذاكرة، ومأوىً من أواصر القربى والمحبّة.
وكان بيت العمة العزيزة فاطمة حسين بنت الحاجة زينب بلال، وزوجها الفاضل العم حسين عبد الماجد، يقف هناك في سكونٍ مهيب، كأنما يطلّ على الزمن من نافذة الحنين؛ بابُه الرئيس مفتوحٌ على جهة شروق الشمس، يستقبل الصباحات بنورٍ خفيف يتسلّل إلى الدار، ويمنحها روحًا من الصفاء والسكينة. وأمام البيت تمتدّ ساحةٌ واسعة، كأنها فسحةٌ للتلاقي، تربطه بفضاء استاد شندي الرياضي، حيث تتعانق أصوات الحياة بين لعبٍ وضحكٍ وحركةٍ لا تهدأ. غير أنّ خطّ السكة الحديد، الممتدّ بين عطبرة والخرطوم، كان يفصل بين الفضاءين، لا كحاجزٍ قاطع، بل كخيطٍ يصل بين أمكنةٍ وذكريات؛ تمرّ عليه القطارات فتوقظ في النفس رجعًا بعيدًا، وتعيد ترتيب الإحساس بالمكان والزمان. وكان صوتها، وهي تعبر ذلك الخطّ، يشبه نداءً خفيًّا يربط بين الرحيل والمقام، بين البدايات التي عرفناها، والمسارات التي امتدّت بنا نحو آفاقٍ أخرى. وهكذا، لم يكن البيت مجرّد بناءٍ من طينٍ وجدران، بل كان فضاءً نابضًا بالعلاقات، ومسرحًا لذاكرةٍ حيّة، تتداخل فيها الوجوه، وتتردّد فيها الأصوات، وتظلّ مفتوحةً- كبابه- على شروقٍ لا ينقطع.
واليوم نودع بقلوبٍ يعتصرها الحزن (24 أبريل 2026)، ونفوسٍ يثقلها الفقد، امرأةً لم تكن عابرة في حياة من عرفوها، بل كانت حضورًا دافئًا، وظلًا وارفًا من المودّة والإنسانية. فقد كانت –رحمها الله– مثالًا نادرًا في الذكاء الاجتماعي؛ تُحسن قراءة النفوس، وتعرف لكل مقامٍ مقالَه، فتقرّب البعيد، وتجبر الخاطر، وتنسج من لطفها جسورًا من الألفة بين الناس. وكان كرمها سجيةً لا تكلّف فيها، يفيض من يدها كما يفيض من قلبها؛ تعطي في سَعةٍ وضيق، وتؤثر غيرها على نفسها في صمتٍ نبيل. أما أريحيّتها في التعامل، فقد جعلت مجلسها مأوىً للقلوب، وموضع راحةٍ لكل من طرق بابها أو قصدها، فلا يُذكر اسمها إلا مقترنًا بالبسمة الصادقة والكلمة الطيبة. ولم تكن صِلاتها بذوي أرحامها مجرّد واجب، بل كانت عطاءً مستمرًا، تحوطه بالمحبة، وتغذّيه بالوفاء، فتجمع ولا تفرّق، وتصل ولا تقطع، حتى غدت قدوةً في صلة الرحم وحسن المعشر. رحل الجسد الطاهر شموخًا وعفةً، وبقي الأثر والسيرة الطيبة التي ترددها القلوب، ودعواتٌ صادقة ترفعها الأيدي إلى السماء. نسأل الله أن يتغمّد العمة فاطمة حسين أحمد شوك بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّمت من خيرٍ في موازين حسناتها، وأن يلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان


