الأحد - 8 ذو القعدة 1447 هـ , 26 ابريل 2026 م

عده تهديدًا مباشرًا للمدنيين.. الأمة القومي يدين هجوم الدعم السريع بالمسيّرات على الأبيض

قُرصنةُ الانتباه: حينَ تسرقُنا المدارسُ من أنفسنا ويعيدنا السجن

قُرصنةُ الانتباه: حينَ تسرقُنا المدارسُ من أنفسنا ويعيدنا السجن
أسامة سعيد الحسن

في تلك الأصباح الخريفية التي كان رذاذها يغسل أرصفة مدينة “الأبيض” العتيقة، حيث تفوح الرمال الكردفانية الحمراء برائحة الرمال الممزوجة بشجن الذكريات، وقفتُ عند بوابة السجن العتيقة أرقبُ الوجوه كمن يقرأ في كتاب القدر. وسط ذلك المشهد الجنائزي المهيب، أطلَّ “سالم”. لم يكن مجرد سجينٍ يساق إلى غياهب العنبر، بل كان “فاجعةً جمالية” تمشي على قدمين؛ شابٌ في مقتبل المراهقة، وهبه الخالق وسامةً يندر أن تجدها في الزنازين، وقواماً فارعاً ممشوقاً كرمحٍ أسمر، وجاذبيةً فطرية تفيض من عينيه الواسعتين سحراً غامضاً، لكنها جاذبية كانت تخبئ خلفها حطام روحٍ نُحتت من الإخفاق والخذلان.
​كانت رحلة انحدار سالم قد بدأت من ذلك المكان الذي يُفترض أن يكون مهداً للأحلام: “المدرسة”. هناك، وفي تلك الفصول الدراسية الكئيبة، كان سالم يشهد يومياً فصول مسرحية “الانتقاء التربوي” القاسي. حكى لي بنبرةٍ تقطر مرارة عن معلمين كانوا يوزعون حبهم وانحيازهم للمتفوقين كما يوزع السلاطين هداياهم، يحيطونهم بالرعاية والتبجيل، بينما يتقاصر دورهم، بل ينعدم، أمام حالات الإخفاق. كان المعلم يمر بجانب سالم كأنه جثة هامدة، وبدلاً من أن يمد له يد العون ليفك شفرات الحروف التي كانت تتراقص أمام عينيه كأشباحٍ عابثة، كان يمد له سوط “العنج” الغليظ. كان الجلدُ في تلك المدرسة ليس للعقاب، بل للإذلال؛ تقريعاً وتوبيخاً أمام الأقران، واستخفافاً يتطاول حتى يلامس شغاف القلب. كان رصد الدرجات بمثابة صكوك غفرانٍ للبعض، وحكماً بالإعدام المعنوي لسالم، تلك “الوصمة” اللعينة، لقب “الطيش” الذي كان يُكتب بخطٍ عريض في كشف الدرجات، حوّل كيان سالم إلى “نكتة” يتداولها الصغار الذين يصغرونه بأعوام.
​ولأن الإنسان جُبل على البحث عن التقدير، فقد هرب سالم من جحيم المدرسة إلى براثن الشارع، حيث تلقفته أذرع “مجتمع النشالين” بدفءٍ شيطاني. هناك، ولأول مرة، سُمِع سالم كلمات المديح؛ فبدلاً من “الطيش”، صار هو “المفتح” و”الشاطر”. بدأ الإغواء بوجباتٍ دسمة، ثم تدرج إلى برامج “النسيان القسري” في بيوت الهوى. حكى لي سالم عن تلك الليالي بحياءٍ منكسر؛ كيف كان يغرق في “اللذة الحرام” ليهرب من صوت المعلم، وكيف كان يدمن تلك الأجواء لأنها الوحيدة التي تُشعره بأنه “موجود”. كانت بيوت الهوى هي المخدر الذي يخفي وراءه الشعور بالذنب، حيث النشوة تبتلع تأنيب الضمير. صار النشل بالنسبة له ليس مجرد سرقة، بل “انتقاماً عبقرياً” يمارس فيه “قرصنة الانتباه”. كان يشرح لي كيف يدرس ضحيته، يراقب “كشاف الانتباه” في عقل الضحية، ثم يفتعل “مشتتاً” كعطسةٍ مدوية أو حركةٍ مفاجئة، وفي تلك الأجزاء من الثانية التي يحتاج فيها الدماغ لإعادة الضبط، يسحب المال بلمسةٍ أخف من النسمة، مستغلاً ظاهرة “عمى الانتباه” حيث يعجز العقل عن معالجة “اللمس” وهو مشغول بـ “الصوت”.
​حين أُودع في سجن الأبيض، قررتُ أن أستعيد رسالة السجن الحقيقية: “الإصلاح والتهذيب وإعادة التأهيل”. لم تكن الجدران عندي للقهر، بل للترميم. بدأتُ معه خطةً “للصدمة والتعويض”؛ كلفته بأعمالٍ شاقة في ورشة النجارة تحت شمس كردفان، ليتذوق طعم “الرزق الحلال” المجبول بالعرق، ويحطم في داخله صنم “الرزق السهل الحرام”. وفي المساء، أدمجته في فصول التعليم وبرامج الوعظ، لتعيد الصلاة صياغة روحه المحطمة.
​في جلساتنا الخاصة، كنتُ أضرب على وتر “الشرف” و”السمعة”. قلت له بصرامة: “يا سالم، والدك يكدُّ في الفيافي، وأنت هنا تمرغ أنفه في التراب. من سيتزوج شقيقة نشال؟ أنت تفتح باب انتهاك شرفك بسلوكك هذا”. رأيتُ كبرياءه ينهار خجلاً، وسكنه حزنٌ عميق حين أخبرتُه بمرض والدته وعجزه عن مساعدتها وهو خلف القضبان. منحتُه إذناً للزيارة، فعاد منكسراً لأنهم لا يملكون ثمن الدواء. هنا، قررتُ أن أضع اللمسة الأخيرة في خطة الإصلاح؛ أخبرتُه أن بعض أهل الخير تبرعوا بمبلغٍ لعلاجها. سملتُه المال، ورأيتُ الفرح يضيء وجهه كبرقٍ في ليلةٍ مظلمة.
​كان يعمل حينها في صيانة سكن الضباط، فطلب منه العريف “فضل” وضع ثيابه والمال في غرفة ملحقة ليلبس زي العمل. وبعد ساعة، عدتُ إليه لأجده يصرخ بهلع: “المال اختفى! لقد سُرق المال في سكن الضباط!”. سقط سالم على الأرض، غطى وجهه بيديه وانتحب بنحيبٍ يمزق نياط القلب. تركتُه يتجرع مرارة “الفقد” لدقائق، كان يضرب الأرض بقبضتيه يائساً، شاعراً بالظلم والقهر والضياع. عندها قلتُ له بلهجةٍ هزت أركان الغرفة:
“هذه الحرقة التي تكوي صدرك الآن، وهذا العجز الذي يشل تفكيرك، هو ذاته الوجع الذي كنت تزرعه في قلوب ضحاياك.. أنت الآن تتذوق مرارة الأذى الذي سببته للآخرين”.
​ساد صمتٌ جنائزي، أدرك فيه سالم أن كل “مهاراته” في تشتيت انتباه الناس، لم تكن سوى جرائم تفتك بأرواحهم. حين أعيد له المال، انطلقت في داخله ثورةٌ من النور. أكمل محكوميته وقد تحول إلى “خبيرٍ في النجارة”، ومجودٍ للقراءة والكتابة. يوم خروجه، عاد إلى بيته فارساً؛ بمهنة رائعة سعدت أمه، وصار عضداً لوالده وحصناً لشقيقاته. تحول “الطيش” إلى “الأسطى سالم” المهاب، الذي يفتخر به الحي، مبرهناً على أن السجن حين يحمل رسالة الإصلاح، يمكنه أن يصنع من الحطام منارة، ومن المجرم مواطناً صالحاً يسرق عمره من الضياع ليعيد بناء حياةٍ شريفة

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور