من سرق سلام السودان؟ من خرائط فوضى الجيوش الموازية إلى إختراق الدولة
▪️السؤالُ عن السلام في السودان ليس سؤالا وليد صدفةٍ عابرة، ولا هو نتاجُ لحظةٍ معزولةٍ عن سياقها؛ بل هو حصيلةُ مسارٍ طويلٍ من القرارات المرتبكة، والتحالفات الهشة، والتنازلات التي أُلبست ثوبَ الضرورة، فإذا بها تتحول إلى بذورِ انهيارٍ مؤجل. يتقدم السؤال اليوم بصيغةٍ موجعة: من الذي انتزع الطمأنينة من صدور السودانيين، وأبدلها خوفًا وتشريدًا، وجعل الوطن مسرحًا لصراعاتٍ متناسلة؟
▪️تبدأ الإجابة من إحدى أخطر البؤر التي تشكلت في بنية الدولة: فكرةُ (الجيوش الموازية). فقد اختارت السلطة في عهد عمر البشير أن تستبدل الاحتكار الطبيعي للعنف المشروع—وهو جوهر الدولة الحديثة—بشبكةٍ من التشكيلات المسلحة التي تنمو خارج الإطار المؤسسي الصارم. نشأ “الدفاع الشعبي( كذراعٍ تعبويّ) عقائدي، ثم تمددت الفكرة لتأخذ أشكالًا أكثر خطورة مع بروز قوات الدعم السريع التي تحولت من أداةٍ مرحلية إلى قوةٍ قائمةٍ بذاتها، ذات مصالح وشبكات نفوذ.
▪️لم يكن هذا الخيار مجرد تكتيكٍ أمني، بل كان انزلاقًا استراتيجيًا؛ إذ أفضى إلى تفكيك مركزية القرار العسكري، وأوجد تعدديةً في مصادر القوة، بحيث صار السلاح موزعًا بين ولاءاتٍ متباينة، لا يجمعها عقدٌ وطني جامع. ومع الوقت، لم تعد هذه التشكيلات أدواتٍ في يد الدولة، بل تحولت إلى أطرافٍ تفاوضها الدولة ذاتها، وتساومها، بل وتخشى سطوتها.
▪️وفي سياقٍ موازٍ، بدا التعاطي مع مليشياتٍ ذات صلةٍ بقوى المعارضة ضربًا من المقايضة السياسية قصيرة النظر. فقد جرى القبول الضمني—وأحيانًا العلني—بوجود قوى مسلحة خارج الجيش، تحت ذرائع التسوية أو الاحتواء، ما فتح الباب أمام شرعنة السلاح كأداةٍ للعمل السياسي، وأرسى سابقةً خطيرة مفادها أن القوة لا تُحتكر، بل تُفاوض.
▪️ثم تتسع دائرة الخطر لتشمل ملف الاختراق الأمني، وهو الملف الذي لا يقل فتكًا عن صوت الرصاص. فقد شهدت الدولة تسريباتٍ ووقائعَ أضعفت مناعتها السيادية، وكان من أبرز ما أُثير في هذا السياق قضية طه عثمان الحسين، التي أُحيطت بجدلٍ واسعٍ حول تسريب معلوماتٍ حساسة، وفتح قنواتٍ مع أجهزةٍ خارجية. سواء ثبتت كل تفاصيل تلك الروايات أم بقي بعضها في دائرة الاتهام، فإن المؤكد أن البيئة التي تسمح بتداول هذا الحجم من الشبهات هي بيئةٌ تعاني خللًا عميقًا في منظومة الحوكمة والرقابة.
▪️ولا تقف بؤر الخطر عند حدود الداخل، بل تمتد إلى تقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، حيث يتزاحم الفاعلون على أرضٍ رخوة. في مثل هذا المناخ، تتكاثر الشخصيات التي تتحدث باسم الشعب، وترفع شعارات الوطنية، بينما ترتبط—بدرجاتٍ متفاوتة—بأجنداتٍ خارجية، تمولها وتوجهها وتستثمر فيها. ليست المشكلة في التعدد السياسي، بل في غياب الشفافية، وافتقار المجال العام إلى قواعد صارمة تكشف مصادر التمويل، وتضبط حدود العلاقة بين الفاعل الوطني والداعم الخارجي.
▪️وتبلغ المفارقة ذروتها في مشهدٍ يربك الوعي الجمعي: شعبٌ يرى بعينيه فصولًا من العنف والتدمير والنهب، ثم يراقب مساراتٍ سياسيةً وقانونيةً تتسم بالمرونة—أو التراخي—في محاسبة بعض المتورطين. تُطرح شعارات المصالحة، وتُستدعى ضرورات الاستقرار، غير أن العدالة المؤجلة تتحول إلى عبءٍ أخلاقي يثقل كاهل الدولة، ويغذي شعورًا عامًا بأن الدم لا يجد قصاصه، وأن الممتلكات المنهوبة لا تجد طريقها إلى أصحابها.
▪️هنا تتولد الحيرة.. كيف يُطلب من مجتمعٍ منكوب أن يطوي الصفحة قبل أن تُقرأ؟ وكيف تُبنى دولة القانون في ظل رسائل متناقضة، تساوي—ضمنيًا—بين الضحية والجلاد، أو تؤجل الفصل بينهما إلى أجلٍ غير معلوم؟
إن استعادة السلام لا تمر عبر اتفاقاتٍ شكلية، ولا عبر إعادة توزيعٍ مؤقتٍ لموازين القوة، بل عبر مراجعةٍ جذريةٍ لأسس الدولة ذاتها. أول هذه الأسس إعادة احتكار السلاح في يد مؤسسةٍ عسكريةٍ وطنيةٍ واحدة، تخضع لرقابةٍ مدنيةٍ رشيدة. وثانيها تفكيك البنى الموازية التي نشأت خارج القانون، وإعادة دمج ما يمكن دمجه وفق معايير مهنية صارمة، ومحاسبة من تلوثت أيديهم بالانتهاكات وفق مسارات عدلية مستقلة. وثالثها بناء منظومة أمنٍ قومي حديثة، تحصّن الدولة من الاختراق، وتغلق منافذ تسريب القرار السيادي.
كما أن الشفافية في الحياة السياسية لم تعد ترفًا، بل ضرورة وجودية؛ إذ لا يمكن مواجهة نفوذ الأجندات الخارجية دون قوانين واضحة تُلزم بالإفصاح عن مصادر التمويل، وتجرّم التبعية المقنّعة، وتمنح المواطن حق المعرفة.
▪️يبقى السؤال مفتوحًا، لا طلبًا للإدانة بقدر ما هو بحثٌ عن البصيرة.. من سرق سلام السودان؟
الإجابة ليست اسمًا واحدًا، بل منظومةُ أخطاءٍ تراكمت، وسياساتٍ قصّرت النظر، ونخبٍ عجزت عن صون الدولة، وأطرافٍ خارجية وجدت في الهشاشة فرصة. وما لم تُفكك هذه المنظومة، فإن السلام سيظل وعدًا مؤجلًا، يتبدد كلما اقتربت البلاد من عتبة الاستقرار.


