برحيل المهندس عبدالمنعم عمر رئيس الرابطة الرياضية للسودانيين بالخارج- الصالحية يفقد السودانيون في الرياض عامة، وأهل الحلاوين والصالحية خاصة، واحداً من الرجال الذين عاشوا للوطن والناس، ومضوا تاركين وراءهم أثراً لا تمحوه الأيام. كان منحازاً للوطن في كل مواقفه، لا يبحث عن مكسب شخصي، بل يعمل وفق ما يراه محققاً للمصلحة العامة، مستجيباً لنداء الواجب في كل وقت، دون تردد أو انتظار مقابل.
كان الراحل من رموز الحلاوين الذين ارتبطت أسماؤهم بالعطاء وخدمة الناس. ظل بيته مفتوحاً لأهله، ويداه ممدودتين لكل محتاج، يحمل قلباً عامراً بالمحبة، وروحاً تؤمن بأن قيمة الإنسان فيما يقدمه للآخرين. لذلك لم يكن غريباً أن يحظى بكل ذلك الحب الذي أحاطه في حياته، ورافقه حتى لحظات مرضه ورحيله.
عرفناه في ساحة الرابطة الرياضية للسودانيين بالخارج – الصالحية، فكان انضمامه إليها قيمة مضافة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. تفاعل سريعاً مع برامجها ورؤاها، واحتل مكانته الطبيعية بعطائه الإنساني والعملي غير المحدود. دعم فريق ود حبوبة حتى أصبح أحد فرق القمة، وقدم للصالحية من وقته وجهده وماله ما لا يمكن إنكاره أو تجاوزه.
وحين عاد رئيس الرابطة عبدالمنعم عبدالعال إلى حضن الوطن، حمل الراحل مسؤولية القيادة نائباً للرئيس لسنوات طويلة، بثبات وصبر ونكران ذات، رغم محاولات البعض تأليب الأجواء وإثارة الخلافات. لكنه ظل مؤمناً بأن الصالحية أكبر من الأفراد، وأن العمل العام لا يُدار إلا بالحكمة والتسامح وسعة الصدر. وعندما جاء وقت ترشحه للرئاسة، لم يكن في مقدور أحد منافسته، إذ كان الإجماع عليه تعبيراً صادقاً عن مكانته في القلوب وثقة الناس في نزاهته وإخلاصه.
استمد في قيادته حكمة الريس عبدالمنعم عبدالعال، وأضاف إليها خبراته المتراكمة، وحنكة أهله، وإنسانيتهم العميقة في التعامل مع الناس. لذلك تحولت الصالحية في عهده إلى مساحة للمحبة والتكاتف، ومؤسسة راسخة تقوم على العمل الجماعي والمؤسسية، لا على الأفراد مهما عظمت أدوارهم.
وقد أكد مرضه هذه الحقيقة المؤثرة، حين تدافع الجميع للاطمئنان عليه وتقديم ما يستطيعون من دعم ومساندة، حتى بدا واضحاً أن الصالحية ليست مجرد رابطة، بل وطن صغير يسكن قلوب أبنائه. ولولا ظروف منع الزيارة خلال فترات طويلة من مرضه، لشهد مستشفى الشميسي حضوراً سودانياً استثنائياً يعكس حجم المحبة التي أحاطت به.
كما أثبت إخوانه في تنفيذية الصالحية، وعلى رأسهم الأستاذ عبدالعزيز شمت نائب الرئيس، والأستاذ مصعب معتصم الأمين العام، والأستاذ محمد عثمان بشير رئيس اللجنة المنظمة، وبقية العقد الفريد من الأعضاء واللجان، أن الصالحية مؤسسة قوية ومتجذرة، تمنح عضويتها التقدير الذي يستحقونه، لكنها تمضي بروح الجماعة واستمرار الرسالة. ويتجلى ذلك اليوم في منافسات كأس الاستقلال، التي تواصل الصالحية تنظيمها، وتكرم خلالها الرمز الرياضي كمال شداد.
إن الحزن المقيم في قلوب أهل الصالحية لا يمكن وصفه، لكن العهد باقٍ بأن خير وفاء لرموزها وقادتها هو استمرار المسيرة، وتواصل الإبداع، والمحافظة على القيم التي عاشوا من أجلها.
ولابنيه عبدالرحمن والصادق وكل أنجاله، وأفراد أسرته الكريمة، نقول: لكم أن تفخروا بوالدكم، فقد قدم نموذجاً نادراً في العطاء والبذل، نحن أحوج ما نكون إليه في سودان المستقبل. ترك في القلوب ذكراً طيباً لا يزول، صنعته مواقفه النبيلة وأعماله الجليلة.
والشكر موصول لسعادة قنصل السودان مصطفى الحسين، لمشاركته في مراسم الدفن وكلماته الصادقة في حق الفقيد، والتحية للشيخ أبو كساوي الذي ظل وفياً للود والمحبة، وسعى بكل ما استطاع لمحاولة علاج الراحل العزيز.
رحم الله الريس عبدالمنعم عمر رحمة واسعة، وبارك في ذريته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألحقه بالصالحين. وسيبقى اسمه حاضراً في ذاكرة الصالحية، وفي وجدان كل من عرفه، بوصفه رجلاً عاش كريماً، ورحل تاركاً سيرة تستحق الخلود.