رحيل قيثارة الوجدان السوداني.. وفاة مجذوب أونسة تهز قلوب السودانيين

رحيل قيثارة الوجدان السوداني.. وفاة مجذوب أونسة تهز قلوب السودانيين
  • 25 مايو 2026
  • لا توجد تعليقات

السمؤل محمد إبراهيم

في يوم مبارك من أيام الله، وفي إيان تتنزل فيه الرحمات والبركات، ترجلت قامة سامقة من قامات الفن السوداني الأصيل، وغاب عن دنيانا صوت ظل لعقود طويلة يسكب الشجن العذب في القلوب، ويرسم للناس مساحات واسعة من الفرح والحنين والمحبة. رحل الفنان الإنسان مجذوب إبراهيم أونسة، اثر حادث مروري أليم، تاركا خلفه إرثا فنيا وإنسانيا سيظل محفورا في ذاكرة الوطن ووجدان شعبه.
لقد كان مجذوب أونسة أكثر من مجرد فنان يعتلي المسرح أو صوت يصدح عبر الأثير؛ كان حالة وجدانية خاصة، وملامح زمن جميل لا ينسى، حين كانت الأغنية السودانية تبنى على الكلمة الرصينة، واللحن الأصيل، والإحساس الصادق. كان واحدا من أولئك الذين لا يتكررون كثيرا؛ ممن منحوا الفن أرواحهم كاملة، فأحبهم الناس بصدق، وبقيت أعمالهم حية رغم تبدل الأزمنة وتعاقب الأجيال.
ولد الراحل الكبير في قرية نقزو بولاية نهر النيل، تلك الأرض التي أنجبت رجالا يحملون صفاء النيل وصدق البسطاء، فشب قريبا من الناس، متواضعا في طباعه، جميلا في حضوره، يحمل قلبا أبيض وروحا شفيفة. عمل في بدايات حياته بمهنة الصاغة وتجارة الذهب، التي ورثها عن والده، وعرف فيها بالأمانة واللباقة وحسن المعشر، قبل أن يختطفه الفن إلى فضائه الرحب، فيصبح أحد أبرز رموز العصر الذهبي للأغنية السودانية.
ومنذ انطلاقته الفنية في ستينيات القرن الماضي، عبر بوابة الإذاعة السودانية، استطاع أن يحجز مكانه في الصفوف الأولى بثبات الموهبة وصدق الأداء. ولم يكن صعود مجذوب أونسة إلى قمة المجد الفني أمرا عابرا أو وليد صدفة، بل كان ثمرة موهبة أصيلة صقلها الصدق والإحساس العميق، حتى استطاع أن ينتزع مكانته بين الكبار في زمن كانت فيه الساحة الغنائية السودانية أشبه بحديقة عامرة بالقمم والإبداعات النادرة. فقد بزغ نجمه في عهد ذهبي لا يعلو فيه إلا صوت الموهوبين حقا، زمن العمالقة الذين كانت المنافسة بينهم امتحانا عسيرا لا يجتازه إلا أصحاب الحضور الاستثنائي والروح المتفرّدة.
لقد عاصر الراحل الكبير أسماء خالدة حفرت أسماءها في ذاكرة الفن السوداني، أمثال الفنان الراحل محمد سلام، والفنان القامة نجم الدين الفاضل، ومن الجيل الذي سبقهم بقليل الفنان القامة الراحل خوجلي عثمان، وغيرهم من نجوم تلك المرحلة الوضيئة التي كانت تضج بالإبداع الأصيل والفن النبيل. ومع ذلك، لم يذب مجذوب أونسة في ظلال الآخرين، بل مضى بخطاه الواثقة ليصنع لنفسه مجدا خاصا؛ ويؤسس مدرسة شعورية متفردة، حتى أصبح صوته علامة فارقة في وجدان السودانيين؛ صوتا لا يشبه إلا نفسه، يحمل دفءَ الحنين، وصدق الوجدان، وعذوبة الروح.
كان صوت مجذوب أونسة هبة سماوية نادرة، يحمل في طبقاته ذلك الامتزاج العجيب بين الشجن العذب والحنين الدافئ، حتى ليخال السامع أن نبراته لا تخرج من حنجرته فحسب، بل من أعماق وجدان هذا الشعب بكل ما فيه من حب ووجع وذكريات. كان صوته ينساب إلى الأرواح برفق، كنسيم حزين يعبر مواسم العمر، فيوقظ في القلوب ما ظن الناس أنه نام إلى الأبد، ولذلك استحق عن جدارة أن يكون قيثارة الوجدان السوداني، وصوتا من الأصوات التي لا تمر على الذاكرة مرور العابرين. وحين كان يغني للحب، لم يكن يؤدي كلمات محفوظة أو ألحانا عابرة، بل كان يسكب روحه كاملة في الأغنية، فتولد الأعمال حية نابضة بالإحساس، صادقة حد الدهشة، كأنها تحكي تفاصيل الناس وأحلامهم وخيباتهم وأشواقهم القديمة. لذلك لم تكن أغنياته مجرد أعمال فنية تسمع ثم تنسى، بل أصبحت جزءا من ذاكرة السودانيين ووجدانهم الجمعي، تتوارثها الأجيال كما تورث الأشياء النفيسة والعزيزة. وكيف لذاكرة السودان أن تنسى روائع خالدة مثل : آخر خبر، ويا حلاوة الريد، وجاوبي إنتي نيابة عني حد يقدر ينسى نفسه ؟، أو رائعته الوطنية التي لامست أوتار الانتماء والكرامة : عزيز أنت يا وطني برغم قساوة المحن؛ برغم صعوبة المشوار ورغم ضراوة التيار سنعمل نحن ياوطني لنعبر حاجز الزمن؛ تلك الأغنيات التي لم تكن مجرد ألحان تطرب الآذان، بل كانت مرايا صادقة لوجدان أمة، وقطعا من الجمال الخالد الذي سيبقى ما بقيت المحبة في قلوب الناس.
لقد كان الراحل الكبير مثالا للفنان المنضبط الذي يحترم فنه وجمهوره، شديد الحرص على انتقاء الكلمة الراقية واللحن الجميل، مؤمنا بأن الفن رسالة سامية ترتقي بالوجدان وتهذب الذائقة. لذلك لم يكن حضوره مجرد حضور فني، بل كان حضورا أخلاقيا وإنسانيا أيضاً، أحبه الناس لبساطته قبل فنه، واحتفظ بمكانته في القلوب لأنه بقي وفيا لنفسه، قريبا من جمهوره، بعيدا عن الضجيج والتكلّف.
وبرحيل مجذوب أونسة، يفقد السودان واحدا من أنبل أصواته وأكثرها صدقا؛ وتفقد الأغنية السودانية ركنا أصيلا من أركانها التي صنعت مجدها الجميل. لكن العزاء أن الفنان الحقيقي لا يغيب تماما؛ إذ تبقى سيرته حية فيما قدم، وتظل أغنياته شاهدة على زمن الفن النبيل، تواسي الأرواح كلما ضاقت بها الحياة، وتعيد للناس شيئا من دفء الذكريات.
نسأل الله الكريم المنان في هذا اليوم المبارك أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعل ما قدمه من جمال ومحبة في ميزان حسناته.
وخالص العزاء والمواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى جميع أهله ورحميته بقرية نقزو في بربر، ومدينة الدامر، وشندي، وعطبرة، وجميع ولاية نهر النيل، وفي العاصمة الخرطوم، وإلى كل محبيه وتلاميذه وعشاق فنه داخل السودان وخارجه.
رحم الله مجذوب أونسة…
ذلك الصوت الذي غاب عن الدنيا، لكنه سيظل يصدح أبدا في ذاكرة الوطن.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم…
إنا لله وإنا إليه راجعون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*